السودان …راسم مسارات 

 

 وسط ظلام ما يوصف بموت "الربيع العربي" او حتى إنكار مرور "الربيع" رغم كل الضحايا التي سقطت ، يعيد السودان قبل الجزائر الامل بان هذا الربيع ما زال حيّا وانه قادر على ان يزهر من جديد ،فالشعوب قادرة على استنباط وسائل النجاح من الفشل ، وزرع الفرح في قلب مستنقعات الفشل…السؤال الكبير هل يتحول نجاح الشعب السوداني الى مثال يمكن ان يتكرر ؟، والى اي مستوى؟ ،  وكيف؟ 
        بداية لكل شعب وكل دولة وبلد خصوصيته وأحادية تجربته ،لكن هذا لا يمنع ولا يحول دون وجود نقاط مشتركة مع الاخرين خصوصا مع دول وشعوب العالم العربي ومحيطه الذي هو جزء منه جغرافيا وفي وحدة الانتماء تاريخيا . لقد عانى الشعب السوداني الطيب والكريم والمنفتح سياسيا ،بحيث جمع اهم تجربتين حزبيتين متناقضتين وهما : حزب شيوعي عريق وعميق الجذور قاوم ونجح في تجربة عملية اقتلاعه وإلغاؤه بصلابة نادرة مكنته من الاستمرار حتى الان رغم إعدام قيادته الاستثنائية ، وقوى وأحزاب اسلامية يختلط فيها الانتماء السياسي بالقَبَليَّة والاجتماعي ، وأهمهما حزب الامة بزعامة الصادق المهدي والحزب الوطني الاتحادي بزعامة محمد عثمان الميرغني  مرشد "الطريقة الختمية"  … الى ذلك تعرض الشعب السوداني لأقسى تجربتين مع العسكر دفع ثمنهما غاليا جدا ، من دمائه ووحدة أراضيه وثرواته :
 
        • المرحلة النميرية تيمنا الانقلابي جعفر النميري الذي مزق السودان وزرع الكراهية والاحقاد وباع الفلاشا اليهود لاسرائيل ( حوالي عشرين الف ) بحفنة من الدولارات وبالتنسيق مع  الرئيس جورج بوش الاب … وإذا كان جعفر النميري قد شكل اول حكومة له من اليساريين فانه انقلب عليهم واعدم قادة الحزب الشيوعي الأربعة وأبرزهم الشخصية  التاريخية عبد الخالق محجوب ، ومن ثم انقلب في لعبة أتقنها على القوى الاسلامية فأعدم محمد محمود طه ولاحق زعيم الانصار الامام الهادي حتى قتله . وإذا كان العقيد النميري قد نجح في الاستيلاء على السلطة في ٢٥/٥ /٦٩ فانه خرج من السلطة في العم ٨٥ بعد ازمة اقتصادية واسعة وعميقة سببت انتفاضة شعبية واسعة انضم اليها الفريق عبد الرحمن سوار الذهب الذي شكل حالة مضيئة واستثنائية في تاريخ "العسكر" في المنطقة اذ نفذ تعهده في ترك السلطة بعد عام من استلامها . ومن مآثر النميري انه بسياسته الخرقاء فتح الباب على مصراعيه لانفصال الجنوب مع انضمام جون قرنا الى المتمردين الجنوبيين . 

 

       • المراة التبشيرية نسبة للرئيس عمر  البشير، الذي خلال ثلاثة عقود في السلطة أفقر السودان بعد تقسيمه وانفصال الجنوب عن الشمال وعزله دوليا … وخلف تركةمن الفساد والفشل والفقر …  
  نجحت انتفاضة الشعب السوداني الغني بتجارب بعضها استثنائي في إسقاط عمر البشير  ، بإصراره على مدنية الانتفاضة الشعبية والسلمية  رغم سقوط مئات القتلى والجرحى والتي استمرت سبعة أشهر وأربعة أشهر من المفاوضات بين العسكر والقوى المدنية المجربة . وقد انتهى كل ذلك مع توقيع الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري بين "المجلس العسكري الانتقالي "وقوى" اعلان الحرية والتغيير " .

 

    صحيح ان يوم توقيع الاتفاق "شكل يوم نصر تاريخي " … الا ان هذا "النصر " لم يصلب عوده ويحتاج طوال المرحلة الانتقالية الطويلة ( ٣٩شهرا مقسمة على مرحلتين يتولى الجنرالات الرئاسة طوال ٢١شهرا ومن ثم المدنيين ١٨ شهرا ) ويجب ان تفضي هذه المرحلة الى تحول ديموقراطي" والسماح لاعادة توحيد الشعب السوداني بعد ان مزقه البشير في صراعات ومنافسات قائمة على اساس قبلي وجهوي وديني وعنصري … ويجب في الوقت نفسه الوصول الىاتفاقيات سلام مع الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفانوالنيل الأزرق خلال الأشهر السته الاولىوالاهم إنفاذ برنامج اقتصادي إنقاذي … 

             توجد مهمات كثيرة وعقد وعقبات اكثر وعقد ضخمة . من ذلك ان العضو الحادي عشر سيكون كما يبدو اقرب الى العسكر مما يحول المدنيين الى أقلية داخل المجلس بكل الارتدادات الناتجة عن هذه الغلبة .الى ذلك ان وزارتي الداخلية والدفاع من نصيب العسكر . واخيرا وليس آخراً مواجهة استحقاقات السياسة الخارجية وتعقيداتها في المرحلة القادمة وما تفرضها من مواقف صعبة ودقيقة وحتى خيارات بعضها مصيري . 

 

       وضع السودان بعد حالة الفرح ، صعب ومفتوح على كل الامال ولكن ايضا على المخاطر . لكن بلا شك ان اي نجاح يحققه السودانيون يفتح أبواب الامل امام شعوب المنطقة ، خصوصا امام الشعب الجزائري الذي يخوض تجربة شعبية ومدنية فريدة في مواجهة نظام عسكري اكثر تعقيدا من النظام السوداني لانه متجذر ومنتشر وقائم على مجموعة من الكلونولات والجنرالات يشكلون عصبة متماسكة يطلق عليها "حزب فرنسا " وليس نظاما يقوم على جنرال واحد ، وهم  استولوا على النظام منذ وفاة الرئيس نواري بومدين ولا يبدو انهم مستعدين بالتخلي عن السلطة ومكاسبها والثروات التي استولوا عليها بعد ان افقروا الجزائر رغم ثرواتها من النفط والغاز ،. 

        نجاح الشعب السوداني يجعله راسما لمسار جديد يكون "الربيع العربي " جزأ أساسيا منه …