كورونا في لبنان ساعة بساعة

72186

إصابة مؤكدة

579

وفيات

35802

شفاء تام

14 تشرين الأول 2020 | 13:42

منوعات

محمود ياسين..الشاشة تفقد فتاها الرومانسي!

محمود ياسين..الشاشة تفقد فتاها الرومانسي!

زياد سامي عيتاني*

ونال المرض من الشجاع الذي أبقى الرصاصة في جيبه بعد "نصر أكتوبر" والذي تحول بعدها إلى فتى الشاشة الأول!!!

فقد غيب الموت فجر اليوم الفنان القدير محمود ياسين بعد صراع مرير مع "ألزهايمر"، عن عم ٧٩ عاماً.

يصعب على المرء أن يضع تصنيفاً لهذا الفنان الإستثنائي، إذ يرى كثير من النقاد أنه تألق في كل روافد الإبداع، مسرحا وسينما وتلفزيون، وأخلص للفن فقط، وعندما هزمه المرض فضل الإبتعاد عن أضواء الدنيا، فقد أراد أن يحتفظ جمهوره بصورته وهو واقف على قدميه وقادر على العطاء.

إنه الفنان الذى أعطى للفن طوال مسيرة حياته من أدوار فتى الشاشة الأول وحتى دور الجد، ولم يقتصر هذا العطاء على التراجيديا، بل تجاوزه ايضا إلى الكوميديا ، مئات الأعمال الوطنية والرومانسية والدينية والتاريخية والاجتماعية كتبت اسم الفنان الكبير محمود ياسين في سجل المبدعين بحروف من نور ...

**



•النشأة:

كان لنشأة الفنان الراحل محمود ياسين دور كبير في تكوينه، حيث ولد بمدينة بورسعيد، ووالده كان يعمل فى "هيئة قناة السويس" ويعشق "ثورة يوليو"، فغرس فى أبنائه حب الوطن.

إذن، ولد محمود فؤاد محمود ياسين في مدينة بورسعيد عام 1941، وتعلق بالمسرح منذ أن كان في المرحلة الإعدادية من خلال (نادي المسرح) في بورسعيد وكان حلمه آنذاك أن يقف في يوم ما على خشبة المسرح القومي.

ورغم ميوله الفنية، إلا أنه إنتقل إلى القاهرة، ليلتحق بكلية الحقوق، وطوال سنوات دراسته كان حلم التمثيل لا يفارقه.

**



من المحاماة إلى التمثيل:

ما أن وصل محمود ياسين إلى القاهرة للدراسة الجامعية، حتى سارع إلى "حي العتبة"، حيث "المسرح القومي" في عصره الذهبي، ليغرق في عروضه المسرحية الرائدة، فيتابع بشغف 10 مسرحيات في 10 أيام، كل يوم مسرحية جديدة، وهو ما شكل له كنزا لم يكن يحلم به، وأتاح له الفرصة ليعمل في المسرح القومي أثناء دراسته الجامعية.

وما إن حصل على ليسانس الحقوق عام 1964 وعمل بالمحاماة مدة من الزمن، حتى قرر التفرغ للتمثيل بعد أن جاء ترتيبه الأول في 3 تصفيات أجراها المسرح القومي.

**



•إنطلاقة متواضعة قبل التألق:

بدأ محمود ياسين مشواره على خشبة المسرح القومي عقب هزيمة 1967، بمسرحية "الحلم" مع المخرج عبد الرحيم الزرقاني، قبل أن يخطو أولى خطواته في السينما بأدوار ثانوية عام 1968 في فيلمي "الرجل الذي فقد ظله"، و"القضية 86″ ثم فيلمي"دخان الجريمة" و"حكاية من بلدنا" 1969.

قدم ياسين بعد مسرحية "الحلم" أكثر من 20 مسرحية، أبرزها: "حلاوة زمان" 1971، و"ليلى والمجنون" 1972، و"عودة الغائب" 1978، و"وا قدساه" 1985، و"الخديوي" 1993.

وفي عام 1970، شارك بدور ثانوي أيضا مع الفنانة شادية في فيلم "شيء من الخوف"، ليحقق معها إنطلاقة حقيقية في رائعة "نحن لا نزرع الشوك" 1971، بعد أن إكتشفه المخرج حسين كمال.

وفي العام نفسه، عادت الفنانة فاتن حمامة إلى السينما بعد فترة غياب وقد إصطحبت معها محمود ياسين كوجه جديد يفيض وسامة ودماثة، ليشاركها بطولة فيلمها "الخيط الرفيع" عن قصة إحسان عبد القدوس، وتشاركه فيلمين آخرين هما "حبيبتي" 1974، و"أفواه وأرانب" 1977، وسط إنهمار الأعمال السينمائية والتلفزيونية والمسرحية والإذاعية على هذا النجم الصاعد.

**



•فتى الشاشة الأول:

مطلع السبعينيات أصبح محمود ياسين محمود ياسين "فتى الشاشة العربية الأول"، بأكثر من 70 فيلماً، وخلال تلك الفترة كان يعتبر من أهم نجوم الأفلام الرومانسية، حيث شارك فيها معظم نجمات تلك الفترة. فقدّم مع نجلاء فتحي أكثر من 20 فيلما، منها: "حب وكبرياء" 1972، و"بدور" 1974.

ومع ميرفت أمين قدم حوالي 13 فيلما، منها "لا تتركني وحدي" 1975، و"وثالثهم الشيطان" 1978، وفي نفس السنة شارك مديحة كامل بطولة "الصعود إلى الهاوية" ضمن 7 أفلام أخرى، وتعاون مع سعاد حسني في 3 أفلام منها "على من نطلق الرصاص" 1975، وقام ببطولة أفلام غنائية واستعراضية مثل "مولد يا دنيا" 1976.

وذلك إلى جانب عدد من الأعمال المقتبسة من كبار الأدباء، منها "أنف وثلاث عيون"، "ولا يزال التحقيق مستمرا" لإحسان عبد القدوس، عامي 1972 و1979، و"ليل وقضبان" لنجيب الكيلاني 1973، و"سونيا والمجنون" عن رواية "الجريمة والعقاب" للروائي العالمي دوستويفسكي 1977، وكذلك فيلم "الوحش داخل الإنسان" عن رواية الروائي الفرنسي إميل زولا 1981، و"الحرافيش" لنجيب محفوظ 1986.

**



•النجومية:

وفي الثمانينيات، بات محمود ياسين نجم السينما الأول بعد راكم نجاحاته وتألقه على الساحة السينمائية، حيث قدّم أكثر من 50 فيلماً، منها "الباطنية" 1980، و"السادة المرتشون" 1983، و"الجلسة سرية" 1986، و"موعد مع القدر" 1987.

وفي التسعينيات وحتى اعتزاله قدم 22 فيلما، منها "تصريح بالقتل" 1991، و"امرأة تدفع الثمن" 1993، و"ثلاثة على مائدة الدم" 1994، وصولا إلى دوره في فيلم "الجزيرة" 2007، وفي فيلم "الوعد" 2008، قبل أن يُنهي مشوارا فنيا امتد أكثر من نصف قرن بفيلم "جدو حبيبي" في 2012.

وواصل نجوميته في "الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان" 1997، و"خلف الأبواب المغلقة" 1999، وصولاً إلى "سوق العصر" 2001، و"العصيان" و"ثورة الحريم" 2002 و2003، و"ماما في القسم"، وهو آخر مسلسل قدمه مع سميرة أحمد في 2010.

**





•تعدد الأدوار ببراعة:

موهبته الفذة والإستثنائية أهلته إمكانيات فنية هائلة للقيام بأي دور، حيث جسد خلالها الشر والخير والحكمة والكوميديا، التي عكست وحاكت كل شرائح المجتمع المصري بكل المراحل التي مر بها، ويمكن توصيف هذه الأدوار من خلال هذا العرض:

-الرجل الصعيدى:

‫من خلال أحدث فيلم "الجزيرة" استطاع الفنان محمود ياسين أن يقدم شخصية "على الحفنى" كبير العائلة الأب والأخ الذى يحكم عائلة كاملة وله تقاليده الخاصة التى لا يمكن الخروج عليها، وعبر عن شخصية الرجل الصعيدى القوية المسيطرة التى تعيش وفقًا لتقاليد متوارثة، ولا يمكن أن ينسى أحد جملة "مينفعش تقع يا منصور".‬

-الرجل الشرقى المتفتح:

‫وفى نهايات السبعينيات وتحديدًا عام 1977 قدم فيلم "أفواه وأرانب" مع النجمة فاتن حمامة، وجسد فيه شخصية "محمود بيه" الرجل الشرقى المتفتح الذى حمل كثير من المفاهيم التى كانت غريبة على المجتمع فى ذلك الوقت مثل تعليم المرأة وأهمية عملها وتمكنيها من حقوقها بالحياة.‬

الزوج الذى يعانى من الملل:‫ "الستات" الفيلم الذى ناقش قضية كثير من الأزواج الذين تفرض عليهم طبيعة عملهم عدم التواجد بشكل دائم بالمنزل، الأمر الذى ينتج عنه كثير من المشاكل مع الزوجة، وهنا جسد الفنان محمود ياسين شخصية "عزمى" الصحفى المرموق الذى تغار عليه زوجته بشكل كبير جدًا وكيف تطورت المشاكل بينهما حتى وصلت إلى الانفصال وكيف استوعب الخطأ سريعًا.‬

-الرجل الجاهل المتسلط:

‫وفى أحدث فيلم "الشريدة" قدم شخصية "فتحى" المقاول الذى بدأ كشخص عصامى لم يكن له نصيبًا من التعليم وأحب فتاة فقيرة وتزوجها وأنفق عليها حتى التحقت بكلية الحقوق،   ومع كثرة ثروته زاد تسلطه إلى أن تعرف على امرأة سيدة السمعة وبدأ يعاير زوجته ويضربها حتى أصيب بمرض خطير وتوفى بعدما فقد أشياء كثيرة.‬

-الجندي المصري:

كما يُعد محمود ياسين من أفضل من قدموا شخصية الجندي المصري في السينما، في أفلام "أغنية على الممر"، و"الرصاصة لا تزال في جيبي"، و"الوفاء العظيم"، و"الظلال في الجانب الآخر"، و"حائط البطولات"، و"فتاة من إسرائيل"....

**



•ميزة صوتية نادرة:

صوته المميز وإبداعه فى فن الإلقاء جعله الصوت المرادف للتاريخ، فهو الصوت الرخيم الحاضر دائما فى الإحتفالات الوطنية وفى سرد حكايات التاريخ.

بمجرد أن تسمعه تشعر أنه لو كان للتاريخ صوت، لن يكون سوى هذا الصوت الرخيم المميز الذي لا تخطئه الأذن.

**



•المرض يمنعه من صاحب السعادة:

لم يتوقف عطاء الفنان محمود ياسين مع تقدمه فى العمر ولم يقف إبداعه عند أدوار الفتى الأول، وإستمرت مسيرة عطائه فى كل مراحل عمره، وترك بصمته فى كل أعماله حتى وإن شارك فى لقطات قليلة، وهو ما حدث فى دوره المميز فى فيلم "الجزيرة" مع أحمد السقا، وفيلم "الوعد".

وفى عام 2014 انسحب محمود ياسين من المشاركة فى مسلسل «صاحب السعادة» مع الزعيم عادل إمام، وبعدها لم يظهر إلا فى جنازة زميله الفنان الراحل نور الشريف عام 2015، حيث بدت عليه علامات التعب والوهن وتقدم العمر، حيث لم يعد قادراً على العمل بسبب المرض، علماً أنه عرض عليه العمل فى مسلسل «الجماعة 2»، ولكن حالته الصحية لم تعد تحتمل، مكتفياً بتاريخه الفني الطويل.

**



•الجوائز:

وخلال مسيرته الفنية، حصل ياسين على أكثر من 50 جائزة، منها جائزة الدولة عن أفلامه الحربية 1975، وجائزة مهرجان الإسماعيلية 1980. وفي العام نفسه حصل على جائزة مهرجان طشقند، وجائزة السينما العربية في أميركا وكندا 1984، ومهرجان الجزائر عام 1988، كما حصل على جائزة أحسن ممثل في مهرجان التلفزيون لعامي 2001 و2002.

وفي 2005 تم اختياره من قبل الأمم المتحدة سفيرا للنوايا الحسنة لمكافحة الفقر والجوع، وفي 2015 تم تكريمه في مهرجان الإسكندرية لسينما حوض البحر الأبيض المتوسط.

**



محمود ياسين الذي غادرنا فجر اليوم، بعد أن قدم أكثر من 140 فيلماً، وحوالي 65 مسلسلاً تلفزيونياً، و12 مسرحية، و14 مسلسلاً إذاعياً؛ إسم يحمل جزءاً من ملامح وحكايات التاريخ وبطولاته يجمع بينها وبين الرومانسية والحكمة، الوطنية، والفروسية، وحتى الكوميديا، مما جعله من أهم النجوم في تاريخ السينما العربية، والأعلى أجراً بين أبناء جيله، بسبب تميزه لأكثر من عقدين من الزمان...

**

*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.










يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

14 تشرين الأول 2020 13:42