كورونا في لبنان ساعة بساعة

678801

إصابة مؤكدة

8775

وفيات

635626

شفاء تام

15 تشرين الأول 2021 | 19:37

أخبار لبنان

بيروت الحالمة.. تبحث عن ذاتها!



خرجت من مدينتي إلى مدينتي، مشيت في الأزقة والشوارع والساحات، لا أشتم إلا رائحة الموت والحقد والتشفي، أعبر بين ركام البيوت والمباني وربما بقايا أشلاء جثث، من جراء ترددات تفجيرها وتدمير مرفئها، كأنني أعبر من الجغرافيا إلى التاريخ، لا بيروت هي بيروت، ولا ناسها هم ناسها، كل معالمها وملامحها تبددت وتبدلت وإنقرضت، وحدها الآلام والجراح والمأساة والمعاناة المتجددة والمتمددة والمتزايدة، هي نفسها صامدة ثابتة لم تتغير إلا تكاثراً وتعاظماً!

إنها مدينة من دون أن تكون مدينة، هي عنبر للجحيم، ومناطق للفتنة المتنقلة، وأزقة لتفلت السلاح، وحفرة للموت، وساحة تضيق بها المقابر، وشوارع لسيارات الإسعاف والجنازات، وبقايا بيوت لإقامة مجالس العزاء والصلوات لراحة أنفس الموتى!

لم تعد مدينة الحياة تتسع للحياة، للفرح، للعيش، للأمل، للغد، للطفولة، للزهور، للأشجار، للغيوم، للمطر، للمقاهي، للكتب، للمسارح... لم تعد تتسع للمستقبل!

باتت مساحة للتائهين، للضائعين، للمتسولين، للمشردين.. ومأوى للإحباط، للحزن، للإنكسار، للهزيمة للسقوط.. وملاذاً للشبيحة، للحاقدين، للبلطجية، للعصابات المسلحة، لمواكب ناهبي ومبيضي الأموال، والسياسيين من درجة "التيرسو"!

تخيم على أرجائها حالة من الخمول والبرودة في الإنتماء، إلى تاريخها وحضارتها وثقافتها وإنفتاحها، كل الأفق مقفلة، لا صحف، لا مجلات، لا مسارح، لا قصائد، لا أمسيات شعرية، لا حلقات نقاش فكرية، لا معارض للكتاب، لا أغاني، لا مهرجانات، لا وألف لا...

الكل تخلى عنها، الكل خانها، الكل طعنها، الكل أدار ظهره لها، الكل غدر بها، وغادرها..إلى المجهول، بعدما عاشوا جميعاً مجدها وإزدهارها وأريجها وتسامحها، وسكنوا أزقتها وحاراتها وبيوتها ورحابها وسعة صدرها، و وأقاموا في حضنها الدافئ، وبنوا لأنفسهم حظوة ومكانة وإسماً وسمعة.. ثم أعرضوا عنها، وإعتزلوها، بكل جفاء ونكران، ووقاحة وسفاهة!

بيروت اليوم، تعبة، متهالكة، مترهلة، متصدعة، يتيمة، مظلومة، تعيش وطأة الظلم والظلام، تئن تحت وجعها النفسي، أكثر من آلام جراحها النازفة.. تبحث عن ذاتها، عن موقعها، عن مكانتها، عن هويتها، عن مدنيتها، وعن كل ما فقدته...

بيروت.. التي كانت هي الروح، تتنازعها الأرواح الشريرة، لتقبض على روحها، هل تدب الروح بها مجدداً؟!

لم نعد نملك إلا الحلم...


زياد سامي عيتاني


اللوحة للفنانة جيسي تابت


يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

15 تشرين الأول 2021 19:37