كورونا في لبنان ساعة بساعة

678801

إصابة مؤكدة

8775

وفيات

635626

شفاء تام

25 تشرين الثاني 2021 | 20:44

هايد بارك

عون يبشّر اللبنانيين كفى تذمرًا .. الطائف حبر على ورق - خالد صالح

عون يبشّر اللبنانيين كفى تذمرًا .. الطائف حبر على ورق - خالد صالح

كتب خالد صالح:

ماذا يعني أن يقول رئيس الجمهورية "لن أسلّم البلاد للفراغ، والرئيس الذي سيأتي بعدي لن يكون كما قبلي" ؟

يحكى أنّ رجلًا حكيمًا يأتي إليه الناس من كلّ مكان لاستشارته، لكنهم كانوا في كلّ مرّة يحدّثونه عن المشاكل والمصاعب التي تواجههم، حتى سئم منهم وكره ملاقاتهم.

في يوم من الأيام، جمعهم الرجل الحكيم وقصّ عليهم نكتة طريفة، فانفجر الجميع ضاحكين، بعد بضع دقائق، قصّ عليهم النكتة ذاتها مرّة أخرى، فابتسم عدد قليل منهم، ثمّ ما لبث أن قصّ الطرفة مرّة ثالثة، فلم يضحك أحد!!

عندها ابتسم الحكيم وقال: "لا يمكنكم أن تضحكوا على النكتة نفسها أكثر من مرّة، فلماذا تستمرون بالتذمر والبكاء على نفس المشاكل في كلّ مرة؟".

طوال ثلاثة عقود خلت وجّه الرئيس ميشال عون سهامه باستمرار نحو "إتفاق الطائف"، لأن مندرجات هذا العقد السياسي – الاجتماعي الذي وافق عليه النواب اللبنانيون المجتمعون في مدينة الطائف السعودية في أواخر العام 1989، حظي برضا وقبول أغلب القوى السياسية اللبنانية في حينه باستثناء "عون" الذي كان يشغل منصب رئيس الحكومة العسكرية في قصر بعبدا، ووضع هذا الإتفاق حدًا للحرب وآلة القتل اليومية، وحوّل الصراع من عسكري إلى سياسي .

في نهاية عهد الرئيس أمين الجميّل في ٢٢ أيلول عام ١٩٨٨، وعندما لم يستطع إقناع السوريين بالتمديد أو التجديد له، ونكاية بهم، عيّن قائد الجيش اللبناني يومذاك الجنرال ميشال عون رئيس حكومة لها مهمة واحدة هي التحضير لانتخابات رئاسة الجمهورية، فعل كل شيء لكنه نسي أو تناسى المهمة الأساسية، التي كلّف بها، وبقي في قصر بعبدا رافضًا كل العروض التي عرضت عليه اثناء انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في الطائف.

ومنذ ذلك اليوم، وعون يرفض "اتفاق الطائف"، عارضه علانية حتى وصلت الأمور الى عملية عسكرية سورية – لبنانية، بعد رفضه ترك قصر بعبدا، بعد انتخاب الرئيس الراحل الياس الهراوي دخلت القوات السورية قصر بعبدا في ١٣ تشرين الأول عام ١٩٩٠، ودخلت وزارة الدفاع اللبنانية، لأول مرة في تاريخ لبنان، وهرب الرئيس ميشال عون الى السفارة الفرنسية في الحازمية وبقي هناك حتى أُبعد الى فرنسا.

لم ينسَ العماد عون هذا الإتفاق سواء خلال وجوده في فرنسا أو بعد عودته، لأن الطائف أحدث نوعًا من التعديل الطفيف في الدستور الأساسي، فأخذ من صلاحيات رئيس الجمهورية، الذي كان "يحكم ولا يُحاسب" في نظام ديمقراطي برلماني، لصالح مجلس الوزراء، كما وضع الأسس لقيام دولة مدنية من خلال الانتقال التدريجي إلى هذه الحالة عبر إلغاء الطائفية السياسية وتشكيل مجلس نواب خارج القيد الطائفي، ومجلس شيوخ لتمثيل الطوائف، واعتماد اللامركزية الإدارية في إدارة الدولة، فضلًا عن أمور أخرى أقل شأنًا، غير أن كثيرًا من هذه البنود لم تُنفذ.

من هنا، فإن التيار الوطني الحرّ "حزب الرئيس عون" ومن خلال سلوكه، يحاول أخذ الأمور الى درجة المطالبة بتعديل اتفاق الطائف، وهنا سؤال يطرح نفسه، هل إن عودة عون الى لبنان في العام 2005 أتت عقب قيامه بنقد ذاتي، اعترف بموجبه بكل مندرجات إتفاق الطائف أو ببعض منها، أو أتت لاسباب اخرى؟، إنّ كل مواقف نواب التيار الوطني، عقب عودة الجنرال من فرنسا، تظهر أن هذا التيار ما زال معارضًا بشدة لأهمّ البنود الاصلاحية الواردة في الدستور خصوصًا تلك التي تقود الى بناء الدولة المدنية في لبنان، وأهمها تلك التي تنص على تشكيل الهيئة الوطنية العليا المولجة بالعمل على الغاء الطائفية السياسية من النفوس قبل النصوص بالطبع.

يعتبر عون أن الطائف "عرّى" رئاسة الجمهورية لصالح رئاسة الحكومة تحت شعار "المسيحيّون يعانون كل اشكال التهميش والغبن والاحباط منذ العام 1991"، ولم يصدق عون أن التعديلات الدستورية أرست قواعد التوازن، لهذا ومنذ توليه سدة الرئاسة وهو يعمل على نسف الدستور الذي أقسم على حمايته، وآخرها ما لوّح به من خلال ما نُقل عنه بأنه لن يسلّم البلاد للفراغ، ووضع "المعايير" لمن سيخلفه في موقع الرئاسة الأولى في خطوة تمهيدية لوصول "الصهر"، ومحددًا الخطوات التي ينبغي العمل بها لإنتاج رئيس جديد للبلاد، وإن لم يتم العمل بها "يبقى الوضع على ما هو عليه" وتكرار تجربة الـ 1988 مع تبدّل الأسماء فقط "إمّا باسيل أو الفوضى".

لطالما تمسّك عون خلال توليه الحكومة العسكرية برفضه لأي توافق بين المكونات اللبنانية، وهو المشهور عنه عبارة "حكّموا ضميركم ولا تفرطوا في الحقوق" التي قالها للنواب المسيحيين قبل ذهابهم إلى الطائف، لأنه يرفض مندرجات هذا الإتفاق لاسيما الاصلاحية منها، من هنا يرى هذا الإتفاق هو السبب الرئيسي في سلب الامتيازات المسيحية ويعمل على استعادتها، ولو من خلال البدع والأعراف التي يتم اسقاطها على الدستور منذ مؤتمر الدوحة في الـ 2008 وحتى اليوم، لإفراغ الطائف من مضمونه واستعادة صلاحيات دستور الـ 1943.

كثيرة هي الوقائع التي تؤكد عزم الرئيس عون وحزبه على إجراء تعديلات على الدستور، خصوصًا تلك المتعلّقة بالمواصفات الواجب توفّرها في الشخص الذي سيتبوأ الرئاسة الأولى، ويتباهى نواب التيار الوطني الحر بما طرأ على الدستور من تعديلات "ممارسة" وليس "نصًا" بشكل يعتبر خرقًا للمواد الدستورية، من خلال إعادة تفسيرها وتطبيقها وفق ما يتلاءم مع مصلحتهم السياسية والحسابات الطائفية والمذهبية الخاصة والظرفية، لذلك فإن ما "تجرأ" عليه عون ما هو إلا مواصلة النسق في هتك الدستور عبر خلق أعراف جديدة تضرب المهمّة المنوطة بالمجلس النيابي في إطار ديموقراطي، مع العلم أن رفض عون للطائف "تجاوزه" مرة واحدة حين قبل بانتخابه رئيسا للجمهورية وفقا لمندرجاته.

يجهد الرئيس عون من خلال الإلتفاف على الدستور إلى العودة إلى ما قبل الطائف، وتعزيز دور وحضور فئة على حساب البقية، مع أن صيغة "المناصفة" التي نصّ عليها الطائف هي واحدة من أبرز منجزات الاتفاق التي يفترض الحفاظ عليها بمعزل عن المعايير الديموغرافية، وتكريس الشراكة عبر التقيّد ببنود الدستور، فالشعارات المرفوعة من صلاحيات الرئيس إلى استعادة الحقوق لا تهدف حقًا إلى تأمين التوازن الطائفي، بل إلى فرض نظام رئاسي جديد يتناسب مع رؤية عون وحزبه للمرحلة المقبلة، بشكل يمهّد الطريق لوصول صهره باسيل إلى الرئاسة الأولى.

في رواية "الأخ الأكبر" للكاتب الإنكليزي "جورج أوريل" ولدت مملكة خيالية زائفة صنع نظامها حياة زائفة للشعب بهدف السيطرة على أفكاره وأفعاله وعلاقاته، وحتى لُغته اخترع النظام لها بديلًا جافًا ومحدودًا وخادعًا، شاشات ضخمة في كل مكان توجّه الجماهير، وتراقبهم؛ طبقة عُليا تُدعى "الحزب الداخلي"، ومن حولها طبقة أخرى "الحزب الخارجي"، وبعدها عامة الشعب، ومن فوق الجميع "الأخ الأكبر" الذي يراقب، ويتحكم، ويُصدر الأوامر، ويعمل الجميع على طاعته.

"وزارة الحقيقة" تروّج الأكاذيب، و"وزارة السلام" تهتم بالحرب، و"وزارة الحب" تعمل في التعذيب وغسيل الدماغ .. هذا ما يبشرنا به "الجنرال" كي نتنبأ اي مستقبل مُظلم ينتظرنا في لبنان ..

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

25 تشرين الثاني 2021 20:44