اسعد حيدر

6 تشرين الأول 2019

كتب أسعد حيدر

" صورة" …"صورة" !

بذل الرئيس إيمانويل ماكرون جهودا سياسية ضخمة ومتواصلة ،من اجل عقد لقاء بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والايراني حسن روحاني وفشل . وصل الامر بالرئيس ماكرون الوقوف امام غرفة روحاني بانتظار أخذ موافقته ولم يحصل عليها . ماكرون اراد ان ينجح باي ثمن ليس لارضاء ترامب وانما حتى لا تتعرض فرنسا ومعها أوروبا لازمة اقتصادية ضخمة مع انهيار لأسعار النفط في حال اشتعال اي مواجهة عسكرية اميركية _ايرانية تعرض إمدادات النفط لاخطار غير محسوبة خصوصا بعد سقوط الخط الأحمر مع الاعتداء غير المسبوق على مصفاة أرامكو في السعودية .

جهود الرئيس ماكرون السياسية والدبلوماسية أخذت بعدا دوليا ذكرت بموقف الرئيس الراحل الكبير جاك شيراك من الاستعدادات الاميركية للهجوم على العراق . يومذاك وقف شيراك موقفا تاريخيا نابعا من "ديغوليته" من جهة ومن جهة اخرى من سياسته العربية والشرق اوسطية، وقد أكدت الحرب ضد العراق وتطوراتها، الى اي درجة كان كبيرا في رؤيته وموقفه ،اذ مازالت مفاعيل تلك الحرب مستمرة حتى الان وربما لسنوات طويلة اخرى ،ذلك ان انهيار العراق فتح باب وراثته امام ايران التي كانت تستعد لهذه اللحظة الاستثنائية التي تؤكد جهل واشنطن بشؤون الشرق الاوسط وخصوصا العالم العربي منه .

أسباب فشل ماكرون تختلف عن شيراك … الاول تعامل مع رئيس اميركي مصمم على الحرب ، بينما الثاني يتعامل مع رئيس اميركي مصمم على أخذ "صورة " مع الرئيس الايراني تؤكد على تحقيقه لنجاح سياسي اصبح بحاجة له استعدادا للانتخابات الرئاسية القادمة … ايضا ان الفرق يقع في طبيعة واهداف النظامين الايراني والعراقي في المرحلتين . ذلك ان صدام حسين كان مقتنعا بان الحرب لن تقع وانها اذا وقعت فانه سيقاوم ويخرج منتصرا ، في حين ان حسن روحاني يسعى بكل الطرق لتجنب المواجهة في وقت يقف خلفه نظام يناور بكل ما يملكه من حضور ونفوذ ليثبت قدرته على المقاومة مهما بدت كلفتها ضخمة .ايضا وهو مهم جدا ان روحاني الذي رفض في أخذ صورة له مع باراك اوباما حتى بعد التوقيع على الاتفاق النووي من المستحيل ان يأخذ صورة له مع ترامب الذي شطب الاتفاق ويطالب بعقد اتفاق جديد . ايضا وفي قلب هذه المواجهة السياسية والدبلوماسية الاختلاف في طبيعة النظامين واهدافهما.

 ترامب وهو يسعى لأخذ "الصورة " يكاد لا يحسب حسابا لأحد في واشنطن وهو قادر ان يشطب من يعارضه دون مساءلة . اقالة جون بولتون شكلت مثلا طاغيا على التطورات ، في حين ان روحاني عليه ان يحسب حسابا  حتى لانفاسه وصداها في طهران ، فهو ليس حرا في قيادة  سياسة بلاده وانما هو منفذ تتم محاسبته بقسوة في طهران من قبل المرشد اية الله علي خامنئي ومعه "جيش" كامل العدة والتصميم ،لان المواجهة الخارجية  لا تتجزأ من الصراع على السلطة والخلافة . وقد وصل الامر في ممارسة الضغوط على روحاني وهو في نيويورك بإصدار حكم نهائي على شقيقه حسين فريدون بالسجن خمس سنوات ودفع كفالة من تسعة ملايين دولار بسبب فساده  . الى جانب ذلك وهو مهم جدا ان النظام الايراني بكل تركيبته المعقدة مؤمن ان الهدف النهائي لواشنطن الان وغدا هو في اسقاطه، وليس في التفاهم معه مهما قدم من تنازلات ،علما ان رحلة الانهيار تبدأ ب"صورة" لا تتضمن اتفاقا مفصلا في اساسه الاعتراف بان ايران "قوة اقليمية" لها نفوذها المشرع بتواجدها في قلب اربع دول هي العراق وسوريا واليمن ولبنان ( وصلت حملة تاكيد النفوذ في لبنان في نشر صورة وفيديو للجنرال قاسم سليماني تؤكد انه هو صانع حرب ٢٠٠٦ لانه كان يقودها من بيروت مع السيد حسن نصرالله وعماد مغنية فكيف الان ؟) ، والى جانب ذلك انها تمسك بجزء أساسي من القرار الفلسطيني عبر "حماس"  و"الجهاد"  وبالتالي رفع منسوب التهديدات بازالة اسرائيل ولو بعد ٢٥ عاما . 

     

     يعتمد الموقف الايراني التصعيدي على معادلة اصبحت مكشوفة تقوم على "العمل على تحويل الضغط الأقصى من قبل العدو الى الاستجداء الأقصى من قبل الأعداء … في وقت التفاوض فيه مرفوض مع واشنطن على اي مستوى كان " . ولا شك ان تشدد طهران الى درجة "التنمر" ضد واشنطن يعود الى تسليم الرئيس اوباما لطهران حق الانتشار والتثبيت في المنطقة ،مع الإشارة الى ان "التنمر" الايراني مهما صعدت التصريحات من منسوبه، فان الجنرال قاسم سليماني  القائد العسكري الذي يقود المواجهة فعليا من الجبهات وليس فقط من طهران قد وضع قاعدة لا يمكن لأحد تجاوزها في ايران   وهي " يجب ان نستمر بالتصرف بحكمة كما فعلنا طوال عشرين عاما " …

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

اسعد حيدر

6 تشرين الأول 2019