20 تشرين الثاني 2019

منوعات

الرمان... «شجرة الأجداد» تمنح البشرية الدواء والسعادة

الرمان... «شجرة الأجداد» تمنح البشرية الدواء والسعادة
المصدر: الشرق الاوسط اونلاين

لم تتخيل جموع الصبية الذين يقطفون ثمار الرمان، منتصف كل خريف، في ‏الحقول المترامية بأنحاء مصر، أنهم وغيرهم في أماكن مختلفة من العالم، يمنحون ‏البشرية قسطاً من السعادة، ووفرة من الوصفات الطبية. كل ما كان يشغلهم أنهم ‏يمارسون عملاً اعتيادياً يتقاضون عليه أجراً‎.‎

فالرمان، الذي يطلق عليه المزارعون في البلاد، وخصوصاً في صعيدها: «الذهب ‏الأحمر»، نظراً لأنه يمثل الدخل الرئيسي لغالبيتهم، خلدته الكتب السماوية، وكُتبت ‏فيه الأشعار وتغنى بها المطربون، لكونه يمتلك قدراً من السحر والدفء، قد ‏تستشعرهما وأنت بين شجيراته السامقة، أو تتذوقه عصيراً، أو حتى وأنت تنزع ‏عنه قشرته الخارجية لتكشف عن لآلئه الحمراء، المتراصة بشكل مذهل‎.‎

فمع اتساع رقعة بساتين الرمان المنزرعة، وخصوصاً في مراكز البداري، ‏ومنفلوط، وساحل سليم، بمحافظة أسيوط، (جنوب مصر) التي تنتج منه الحلو ‏والحامض، يزداد عشاقه ومتذوقوه في أنحاء البلاد، منهم من يبتغي من تناوله ‏الشفاء من العلل، وآخرون يرون فيه أنه يمنحهم قدراً من السعادة والانبساط، ‏وتجديد النشاط أيضاً‎.‎

وإذا كانت كتب التاريخ قد نقلت أن أصل الرمان يرجع إلى قارة آسيا، ومنها انتقل ‏إلى الشام ثم إلى شمال أفريقيا ومصر، ودول حوض البحر الأبيض المتوسط، فإن ‏المصري القديم عرف الرمان مبكراً، وهو ما أظهرته بعض النقوش على معابد ‏تعود إلى فترة عصور الدولة الحديثة، وهي تشير إلى معرفته منذ عصور مبكرة ‏زراعة أنواع من الفواكه، كالتين والعنب، بالإضافة إلى الرمان والبطيخ‎.‎

وشجرة الرمان من النباتات المعمرة، وتستمر في الإنتاج نحو 50 عاماً، ويتراوح ‏طولها ما بين 3 إلى 4 أمتار، بحسب راضي أبو علي، الذي ينتمي إلى مدينة ‏أسيوط، متحدثاً عن عملية قطع الثمار، بحشد الفتية إلى البساتين من الصباح ‏الباكر: «تقطيع الرمان يستمر مدة ثلاثة أشهر، تبدأ من أول شهر سبتمبر (أيلول) ‏وتنتهي مع نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، وتتم تعبئته في كراتين أو (برانيك) بعد ‏فرزه، لبيعه إلى تجار الجملة أو للتصدير‎».‎

ويضيف أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الأشجار مباركة ببركة القرآن، فهي ‏هدية أجدادنا لنا، ونحن نعمل على رعايتها وتنميتها بالطرق الحديثة، حتى نخرج ‏منتجاً يليق بالتصدير، وطعمه ما بين الحلو والحامض‎».‎

غير أن هذه الثمرة التي تعد من طعام أهل الجنة بوصف القرآن الكريم لها: «فيهما ‏فاكهة ونخل ورمان»، وأسرفت المصادر الطبية في الحديث عن مدى نفعها ‏والتداوي بها، تغزل فيها الأدباء والشعراء، ومنهم الراحل عبد الرحمن الأبنودي، ‏الذي أتى على ذكرها بشكل عابر في أغنية للراحلة فايزة أحمد، حينما قالت: «مال ‏عليا مال - فرع من الرمان - قلبي الأخضر شمعة ورقصت فوق الشمعدان»؛ لكن ‏الراحل فتحي قورة أفرد لها مساحة أكبر في أشعاره، وتغنت بها الراحلة هدى ‏سلطان: «رمان الجناين يا أخضر - رمان العرايس طاب - ليها حق العروسة ‏الحلوة تتدلل على الخطاب - طول عمر الفرح متعود - بيحني الإيدين ويرقص ‏وبسكر بناتنا ينقط‎».‎

وبجانب السعادة التي يستشعرها متذوقو الرمان، مع كثرة مقاطع الفيديو التي ‏انتشرت مؤخراً والتي تتفنن في تقطيع وتفريط الرمان، فإن البعض يستهدف الرمان ‏لأغراض علاجية، إذ ذهب كثير من الأطباء والمتخصصين في التغذية إلى أن ‏ثمرة الرمان كفيلة بعلاج علل وأمراض كثيرة. وقال الدكتور علاء ياسين، ‏المتخصص في أمراض القلب، إن هناك بحوثاً طبية حديثة أثبتت أن الرمان مفيد ‏من جوانب كثيرة بالنسبة للقلب والشرايين، لافتاً إلى أن تناول حبة واحدة، سواء ‏كانت عصيراً أو حَباً، فإنه يقوي عضلة القلب، ويحسن من مقاومة الجسم للأمراض ‏السرطانية، فضلاً عن «كونه يساعد في علاج عسر الهضم وتنظيم السكر في ‏الدم‎».‎

والأمر لم يتوقف عند المحتوى الداخلي لثمرة الرمان؛ بل إن كثيراً من المختصين ‏في علوم التغذية، ومنهم الدكتور رشاد توفيق، دعا إلى عدم التخلي عن قشرة ‏الرمانة وتناولها كمشروب ساخن أو بارد، بعد تجفيفها وسحقها في الخلاط، وقال ‏إنها تحتوي على مضادات الأكسدة، وتقي من بعض الأمراض السرطانية، ‏بالإضافة إلى قدرتها على خفض معدلات الكولسترول الضار في الأوعية الدموية، ‏وتعزيز الجهاز المناعي‎.‎

ومن الدراسات الحديثة التي أثبتت فاعلية ثمار الرمان وقدرتها على التصدي لبعض ‏الأمراض، الدراسة السويسرية التي نشرتها مجلة «نيتشر ميتابوليزم» الشهرية، ‏في شهر يونيو (حزيران) الماضي؛ والتي أجراها باحثون من «معهد لوزان للعلوم ‏التطبيقية»، و«المعهد السويسري للمعلوماتية الحيوية»، وشملت تجارب سريرية؛ ‏حيث وجد الباحثون أن جزيئات «الإيليجيتان» الموجودة في فاكهة الرمان تتحول ‏في الأمعاء البشرية عند البلع إلى مركب يسمى «اليوروليثين»، الذي ثبت أنه يبطئ ‏من عملية شيخوخة الميتوكوندريا‎.‎

والميتكوندريا هي مصنع الطاقة داخل الخلية، وتقوم بعملية تحويل الطاقة من المواد ‏الغذائية إلى شكل يسمح للخلايا باستخدامها، وتحتوي كل خلية على مئات منها، ‏وبسبب ضعف هذه العملية مع بلوغ الشخص سن الخمسين، فإن عضلات الهيكل ‏العظمي تبدأ في فقدان قوتها وكتلتها، غير أن الدراسة أكدت بالتجارب السريرية أنه ‏يمكن تعزيز القوة من خلال تحسين أداء الميتوكوندريا باستخدام مركب ‏‏«اليوروليثين‎».‎

ومع دخول موسم الشتاء، يقبل المصريون على شراء ثمار الرمان بكثرة، فمنهم من ‏يحوله عصيراً، أو يمزجه مع «الجيلي»، أو يخزنه فترة طويلة. كما تنتشر في ‏شوارع القاهرة محلات العصير التي تتفنن في اجتذاب زبائنها بعرض عصير ‏الرمان محاطاً بشرائح الموز، أو مخلوطاً به؛ لكن يبقى أن المتيمين بالرمان لا ‏يقبلون معه شريكاً، فهم يفضلونه دون إضافات عليه، كما يوضح أشرف صاحب ‏محل للعصير بمنطقة فيصل بمحافظة الجيزة، مضيفاً: «يوجد إقبال كبير على ‏شراء أكواب الرمان؛ خصوصاً من الشباب والأطفال‎».‎

وأمام ثراء ثمرة الرمان، اتجه البعض للاستفادة منها في أشياء كثيرة، منها ما ‏يعرف بـ«دبس الرمان»، وهو مستحضر تقول عنه الشيف نجلاء الشرشابي، إنه ‏يدخل في جميع أنواع الطبخ، وخصوصاً في تتبيل الدجاج واللحم، كما أنه يضاف ‏إلى السلطات وأصناف المقبلات الأخرى‎.‎

ويحضر «دبس الرمان» من خلال وضع إناء على النار به كمية من عصير ‏الرمان الطبيعي، وتضاف إليه كمية من السكر وعصير الليمون أو البرتقال، مع ‏الاستمرار في التقليب إلى أن يغلي المزيج، ويترك ليغلي حتى يتبخر ما به من ‏ماء، ويصبح المزيج كثيفاً، ثم يوضع في الثلاجة بعد أن يبرد تماماً‎.‎

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

20 تشرين الثاني 2019