هايد بارك

صمت الحريري "الحكيم" في بيادر "الثرثرة الفارغة"! - خالد صالح

تم النشر في 18 كانون الثاني 2022 | 00:00

كتب خالد صالح:

يقولُ الشاعرُ الإنكليزي وليام بليك: "أوقاتُ الحماقة يُمكن قياسها بالسّاعات، لكن لا ساعاتَ تكفي لِحساب أوقات الحكمة"..

بين الحكمة والحماقة خيطٌ رفيعٌ جدًا يُبنى على حُسنِ التدبير، إذ يفرضُ عليك أن تأخذَ الوقتَ الكافي له، لأنه عندما يحينُ وقتُ العمل نتوقّفُ عن التفكير ونبدأ بالتنفيذ، وهذا ما يُسمّى في علم الوقت "ساعة الصفر".

عندما أقدم الرئيس سعد الحريري على الاعتذار عن تشكيل الحكومة في تموز الماضي، بدأ "لعاب" الأقلام يسيلُ بتدفقٍ غريب، فلا صباح يبدأ إلا على وقع سلسلة طويلة من التحليلات والمقالات والإشاعات والفبركات، وكلها تنضوي تحت عنوان واحد "المستقبل السياسي" للرئيس الحريري، وكأن الاعتذار هو نهاية الكون .

الحقيقة التي تُقال بـ "نوايا سيئة" تحطم كل "الأكاذيب" التي يمكن اختراعها، وعندما أقول الحقيقة لا اقصد بها إقناع اولئك الذي لا يؤمنون بها بل أقصد بها الدفاع عن اولئك الذين يؤمنون بها، الحقيقة أن "ساعة الصفر" لم تحن بعد، لذلك لا فائدة من البراعة في صناعة "التوقعات"، فالعين "المخادعة" و "الحاقدة" يمكنها تزوير كل شيء.

أدرك الرئيس الحريري أن جميع الأفرقاء في لبنان يبذلون الكثير من الوقت والجهد في سبيل تفادي "المشاكل" فقط، عوضًا عن المحاولة في إيجاد الحلول المناسبة لها، ولأن الوقت الذي يمر بين التفادي والمحاولة مساحة ضيّقة يجب استغلالها بالصورة المثلى، وهو الوقت الذي يُعتبر فيه "الصبر" خيارًا قابلًا للتطبيق، وضع بدقة الجوهرجي"المسار" وحدّد الوقت المناسب لـ "ساعة الصفر".

رأى الرئيس سعد الحريري أن ما كان ضربًا من الجنون بالأمس تم تأكيده بالبراهين القاطعة اليوم، وعندما يقصدُ "الشرير" أن يصبحَ عدوّك فإنّ أوّل ما يبدأ به هو أن يصبحَ صديقك، وأدرك أن معرفة ما هو كافٍ لن يتحقق إلا بعد تجربة ما هو أكثر من كافٍ، فـ "الحكمة" التي اكتسبها من تجربته "القاسية" و "المرّة" لم يحصل عليها بالمجّان .

لقد أحبّ الرئيس سعد الحريري "الحقيقة" بحماس منقطع النظير، لم يلجأ لممارسة الخديعة والرياء كوسيلة لإيهام الناس فيها أو زرعها في العقول، بل كان متجرّدًا وعفويًّا، صادقًا في عقلانيته، متمسكًا بالثوابت التي تبلورت له بعد مخاض طويل من الحقائق التي تكشّفت لديه، فالعصفور له عشه، والعنكبوت له شبكته، ورجل الدولة له صدقه ومصداقيته، فالنحلة التي تعمل لا وقت لديها للحزن .

يؤمن سعد الحريري أن المعركة الأشرس والأهم هي معركته ضد "النفوس الأمّارة بالسوء"، حرب "الحقيقة" التي تلعب دورًا إيجابيًا في إرشادنا إلى الطريق القويم، أو على الأقل في تجنيبنا الطريق الأعوج، وهذه المعركة يجب أن ينتصر فيها "وحده"، لأنه عندما يحين وقت الاحتفال سيحتفل وحده مع الذين بقوا بجانبه، لا مع الذين تخلّوا عنه وهو تحت ضربات السيوف .

ويؤمن أيضًا أنه ليس للحق "زوايا" فهو "خط مستقيم" غير مائل، أما الزوايا التي ينظرون بها للحق فقد اخترعها من يريد "الإلتفاف" عليه ويجعل الباطل حقًا، مبررًا ذلك بقوله إنه ينظر للحق والحقيقة نظرة سويّة لا رياء فيها، لأن الحزم الأكبر يجب أن يكون مع الذات .

"المداهنة" لا يريدها سعد الحريري رغم أنه يعرف أن هذا الأسلوب يصل به إلى الحُكم من دون أن يحكم، لكنه آثر أغمار"الصمت" الحكيم في بيادر "الثرثرة" الفارغة، فهو يعرف أن "الحُكم" القائم على الظلم لن يدوم، يرفض الفكرة من جذورها ليقينه أنها تثير النفور، فلم يحزن من "محنة" فقد تكون "منحة" إلهية، ولم يكتئب من "بلية" فقد تكون "عطية" قد منّ بها الله سبحانه وتعالى عليه بها .

الحكم على سلوك الرئيس سعد الحريري فيه من الظلم مالا يطاق، هي فطرة تفتقت عليها عقول البعض في لبنان، هذا الرجل الذي وجد أمامه آلاف التجارب والعوامل التي وضعته في المقدمة، وعندما هبّت عواصف الأحكام الجائرة عليه من كل الجهات، واجهها بصمت أنيق ونُبل الفارس، ولم يصدر أحكامًا مضادة على الأشخاص، بل أحكامه كانت دائمًا على الأفعال .

"ساعة الصفر" هي "ساعة الحقيقة" التي دنت ومن دون شك، فما كان لطائر أن يُحلّق عاليًا لولا أنه كان يحلق بأجنحته الخاصة، "ساعة الصفر" يضبطها الرئيس سعد الحريري على توقيته هو وليس على توقيت أحد آخر .. فإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا ..

"أليس الصبح بقريب" .. بلى !!