جورج بكاسيني

25 أيار 2019 | 00:00

كتب جورج بكاسيني

الموازنة .. الوازنة

الموازنة .. الوازنة

كما في كل مرّة، كثرت الاجتهادات والتحليلات حول أسباب "تأخُّر" إقرار الموازنة في مجلس الوزراء. بلغت التخيّلات لدى بعضهم حدّ "القلق" من عدم قدرة الحكومة على إقرار هذه الموازنة وإحالتها الى مجلس النواب.. وبلغ هذا "القلق" حدّ الخشية من عدم تطبيق "سيدر" مع ما يحمله هذا الاحتمال من مخاطر اقتصادية على البلاد.



بطبيعة الحال، وكما في كل مرّة، يُشحن هذا "القلق" بخلفيات سياسية درجت العادة أن تطبع أي سجال أو تباين، حتى ولو كان من طبيعة تقنية. بعضهم يرى في "سجالات الموازنة" بعداً "رئاسياً" له صلة بالانتخابات الرئاسية المقبلة. وبعضهم الثاني يشتمّ في خلفياتها "تصفية حسابات" سياسية بين التيّار "الوطني الحرّ" من جهة وبين حركة "أمل" من جهة ثانية"، أو بين الأول و"القوات اللبنانية" أو "المردة".. أو بين "الوطني الحرّ" وتيّار "المستقبل".



قد لا يخلو الأمر من ذلك في بعض الأحيان، لكن مسار الأمور على طاولة مجلس الوزراء خالف هذه الانطباعات والاجتهادات بحدود كبيرة. والدليل إجماع بعض الوزراء، بمن في ذلك المتساجلون، على أن النقاشات الدائرة "جديّة وموضوعية وعلمية"، ناهيك عن ذلك أن كل جلسات الموازنة في الحكومات دامت نحو أسبوعين أو أكثر، بما في ذلك الموازنة السابقة، مع العلم أن موازنة 2019 تحمل بنوداً إصلاحية وتقشّفية لم تكن واردة في موازنات سابقة.



إذاً، السجال حول هذه الموازنة يدور حول ماذا؟ 



بدا واضحاً في المرحلة الأولى من السجالات أن عنوانها كان الخلاف حول هوية القطاعات المنوي شمولها بالتقشّف، وقد حُسمت هذه النقطة بعد التوافق على أن يكون التقشّف "عادلاً وشاملاً". أما المرحلة الثانية والتي طبعت الجلسات الأخيرة من النقاش فقد تركّزت حول نقطتين: سرعة الإقرار ونسبة خفض العجز . وواقع الأمر أن كل الحكومة بدءاً من رئيسها وصولاً الى كل مكوّناتها متّفقة على أهمية هاتين النقطتين ولكن بنسب متفاوتة.



وإذا كان بطلا السجال حول النقطتين المشار إليهما هما وزير الخارجية جبران باسيل ووزير المال علي حسن خليل، فإن لكلّ منهما منطقه ما يولّد انطباعاً أن كلاهما على حقّ، فيما يأخذ رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري وجهتي النظر في الاعتبار، كما يفرض عليه موقعه، ويتمسّك بالسرعة وبأكبر قدر ممكن من الخفض في آن.



جبران باسيل الطامح لأن يكون رئيساً للجمهورية "وهذا حقّ مشروع له"، على حدّ تعبير أعضاء في تكتّله الحكومي، لا يعتبر أن طريق بعبدا تمرّ من الموازنة. لكنه في المقابل وبحكم موقعه في قصر بسترس وتواصله اليومي مع سفراء العالم وممثلي المنظمات والدول المانحة، يريد أن يعطي لبنان صورة الدولة التي تلتزم سواء بالوقت أو بالإصلاحات أمام المجتمع الدولي من جهة، وأمام اللبنانيين من جهة مماثلة.



 لامت قوى سياسية عديدة الوزير باسيل كونه اقترح متأخّراً أفكاره الإصلاحية للموازنة على طاولة الحكومة. وهذا صحيح لكنه فعل ذلك بعد أن لمس أن الالتزام الأساس بأن لا تتجاوز نسبة العجز 7 بالمئة أصبح مهدّداً وبدأ الحديث عن نسبة تسعة بالمئة، فلجأ الى اقتراحات جديدة. ولذلك ورغم حرصه على السرعة إلا أنه لا يحبّذ أن تكون هذه السرعة على حساب نسبة خفض العجز ويفضّل أن تُلزم الحكومة نفسها بها منذ الآن.



أما علي حسن خليل، وبحكم كونه وزيراً للمال، أي المعني الرسمي الأول بالموازنة، وعلى تواصل يومي بطبيعة الحال مع ممثّلي الدول المانحة، ورغم حرصه على خفض نسبة العجز بأكبر قدر ممكن. إلا أنه برأي وزراء مؤيّدين لموقفه، يعطي الأولوية لكلفة الوقت. ولذلك ورغم تفهّمه وتأييده خلال الجلسات للكثير من اقتراحات باسيل، إلا أنه يجد ضرورة للإسراع بإقرار الموازنة "ومن ثم لا شيء يمنع من الاستمرار باقتراح ومناقشة أبواب للخفض تمهيداً لإقرارها في مجلس النواب، لأن الأسواق تحذر من التأخير ولا ترحم".



ولا يخفي عدد من الوزراء أن حسن خليل عندما فاتحه باسيل "بإيجابية" في جلسة الثلاثاء الفائت، مؤكداً أنه لا يناقش من باب الرغبة في التأخير، ولا من باب انتقاد وزير المال، بادله الأخير بالمثل قائلاً: "وأنا أبادلك الايجابية نفسها، ومستعد لمناقشة كل النقاط".



في كل الأحوال، ربّما استدعى النقاش حول الموازنة سجالات ومناخات متشنّجة سياسياً وشعبياً، لكنها أحيت نقاشاً صحياً وغير مسبوق حول مزاريب الهدر.

إلا أن الأهمّ يبقى أن الموازنة أحيلت الى مجلس النواب للإقرار، وأنها فاتحة لثقة دولية متجدّدة بلبنان، ولإنجازات وازنة أكثر وأكثر بدءاً من "سيدر" مروراً بملف النفايات و"الاستراتيجية الدفاعية" وغيرها من العناوين التي تعهّدت الحكومة بإنجازها.


يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

جورج بكاسيني

25 أيار 2019 00:00