ما وراء جريمة طرابلس

وعشية عيد الفطر والمؤمنون يتهيأون للاحتفال به بسلام وفرح ومن خلال الحملة المبرمجة على قوى الامن من مسؤولين ووزراء وصحافة صفراء، وعلى مطلات الموسم السياحي فوجئت طرابلس بعملية ارهابية ضد دورية لقوى الامن ومتفجرة على سرايا المدينة، بطلها سجين سابق في حبس رومية اسفرت عن استشهاد اربعة شهداء من قوى الامن والجيش وإثارة الذعر في نفوس المواطنين.

ونظن ان هذه الجريمة يمكن ان تذكرنا بالعملية الارهابية التي عهدت إلى ميشال سماحة بنقل متفجرات لارتكاب مجازر في المصلين اثناء رمضان الاسبق: العملية التي قررها بشار الاسد ورتبها علي المملوك وفشلت بفضل يقظة قوى الامن بقيادة الشهيد وسام الحسن واعتقال ميشال سماحة الذي ما زال قابعاً في السجن.

يعنى ذلك ان ما وراء الاكمة ما وراءها. وإن الارهابي مبسوط قد لا يكون مريضاً نفسياً ولا قام بعمليته منفرداً خصوصاً من جهة القرار: وكما حاول سماحة بمغامرته الجهنمية اثارة فتنه طائفية او احداث فوضوية ها هو ميشال الثاني أي مبسوط يكرر ما حاوله نظام دمشق بواسطة سماحة.

لكن هذه المرة الاستهداف المباشرة لقوى الامن والجيش (نتذكر الحملة الشعواء التي نظمت ضد قوى الامن لشلها واضعاف هيبتها لتأتي حادثة طرابلس امتحاناً وتحدياً لها". ولم يكن التحدي مختصراً على قوى الامن بل على الجيش ايضاً "نتذكر عندما حاول الجيش التدخل في تمرد مخيم نهر البارد رداً على قتل عدد من افراده كيف انبرى السيد حسن نصرالله قائلاً: "مخيم نهر البارد خط احمر"  ومن لا يعرف ان هذه المؤامرة حيكت بدمشق. وبواجهة اسمها شاكر العبسي. ونتذكر ايضاً كذلك كيف انتزع الحزب عدداً من عناصر داعش الارهابية من قبضة الجيش بعد انتصار هذا الاخير ونقلهم في باصات مكيفة إلى داخل سوريا. اذا نقول ان الجيش في ضمائر 8 آذار واستهدافاتها، سوريا الاسد وحزب الله وهو على اللائحة السوداء.  لكن يتم التعامل مع المؤسستين الامنية والعسكرية باستفراد كل منهما على حدة ربما بالتناوب وربما باستغلال بعض الظروف.

وإذا كانت عملية الارهابي مبسوط حددت في بداية الموسم السياحي ورفع قرار منع الخليجيين من المجيء إلى لبنان فإن هذه العملية تحيلنا على استحضار ما كانت ترتكبه اسرائيل من قصف وتهديدات في بداية كل موسم سياحي لترهيب السواح العرب لاسيما الخليجيين، أما حزب الله فقد اهتدى باسرائيل عندما كان ينبري مسؤولون منه يكيلون الشتائم والتهديد للسعودية ودولة الامارت في هذا التوقيت السياحي ليعدلوا على المجيء إلى لبنان.

الارهابي مبسوط تعلم الدرس ونفذه عندما اجتمعت لمن يتبناه سراً الظروف ذاتها الامنية والسياحية والسياسية والاقتصادية.

لكن قوى الامن والجيش اللبناني وأدوا المؤامرة في مهدها ففي ظرف ساعة حدد مكان الارهابي في احدى الشقق وحاصروه فما كان منه إلا ان فجر نفسه. في هذه اللحظات التي اجمع فيها اللبنانييون على دعم المؤسستين انطلقت ألسنة مسمومه من وزارء لتشوه وتسخف نجاح المؤسستين في القضاء على الارهابي. فمحاولات هؤلاء سابقاً لضرب هيبة الدولة عبر اضعاف قوى الامن وقبلها الجيش لم تمنع الفاعلية الكبيرة التي واجه بها هؤلاء مبسوط.

وهذا ما أثار حفيظة اصحاب المشاريع الانقلابية على الدولة والطائف. وبدلاً من شكر المراجع الامنية على نجاحها استمروا في بث حقدهم بتصريحات تصب في نوايا مذهبية أي محاولة اثارة الفتنة والفوضى ودق اسفين بين الجيش وقوى الامن  كما تماماً حاولوا ويحاولون اضعاف موقف رئيس الحكومة وتهميشه والتطاول على صلاحياته. ان قضية مبسوط لم تعد منفردةً فقد استخدمت كرسالة تحذيرية أو تهديدية للقيام بإنقلاب على الاوضاع القائمة سواء دستورية او مقررات الطائف او حروب كنتونية تستهدف ما سبق ان استهدفته ايران والاسد في سوريا واليمن. على هذا الاساس فإن الاجماع الشعبي او القيادي اوقع هؤلاء المرضى في العزلة. ناهيك عن الادانة الاجماعية للجريمة ودعم المؤسستين الامنيتين.

فنذائر بعض الفئات المسعورة وبعض الرؤوس الملتهبة التي تهدي كل مواقفها التخريبية الممذهبة إلى حاضنها السري والعلني حزب إيران.

فكأن طرابلس وهي مدينة العلماء والحضارات والكتاب ما زالت في هواجسهم. وها هم يستغلون عملية الارهابي مبسوط لينالوا من صمودها ويشوهوا وجهتها المؤيدة للدولة ومؤسساتها. بل اكثر اعاد هذه البعض المشؤوم إلى مسألة إخراج مبسوط من رومية محملين من اطلق سراحه مسؤولية ما جرى. كأنهم يقولون فليتوقف من يطالب بالعفو عن الاسلاميين الذين ما زالوا مسجونين بلا محاكمة عن هذا المطلب لانهم سيفعلون ما فعله مبسوط. وقد تناسى هؤلاء تواريخهم مع بشار الاسد في سوريا ومن الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن. تناسى هؤلاء التكفيريون ان الخميني هو أول من افتتح لغة التكفير في القرن العشرين عندما كفر الكاتب سلمان رشدي، وكل حلفائه من حزب تودا ومن مجاهدي خلق. هل مرت جريمة مبسوط؟ لا نظن. لان هؤلاء عندهم داعش رهن إشارتهم وليس من المستبعد ان تتم عمليات يرتكبونها هنا وهناك ليتهموا خصومهم بها.