15 نيسان 2020 | 16:56

هايد بارك

بين العزلة .. و"الكورونا" - نديم محمد الملاح

بين العزلة .. و

كتب نديم محمد الملاح:

ما إن أطلق الرئيس حسان دياب إسم "مواجهة التحديات" على حكومته حتى إنهالت الأزمات واحدة تلو الأخرى من كل حدب وصوب، بدءاً من الموازنة إلى اليوروبوند وصولاً إلى الكورونا وملف التعيينات، أضف إليهم الأزمات المتراكمة، لتنكشف معها يوماً تلو الآخر مدى هشاشة هذا النظام وسطحيته في إدارة الأزمات.

منذ اليوم الأول من إعلان تسميته لتأليف الحكومة إلى يومنا هذا، أطلق دياب عدّة وعود وشعارات لم نلمس أي نتيجة لها حتى الآن، فلا شكّل حكومة وفق شروطه ومعاييره" تكنوقراط مصغرة( ١٨ وزير) مؤلفة من وزراء مستقلين" ولا تحمّل الصمود في وجه الضغوطات و التهويل ،فذهبت معاييره هباءً منثورا.

وبُعيد إعلان البيان الوزاري استبشر بعض اللبنانيين (ولست منهم)خيراً لكن سرعان ما تبدلت هذه البشارة إلى تشاؤم، فها نحن على عتبة الشهر الثالث من تشكيل هذه الحكومة العتيدة ولا جديد يذكر في أي ملف يهّم حياة المواطن اللبناني الإجتماعية عموماً ولا الإقتصادية خصوصاً، ولا رؤية واضحة لمقاربة الأمور وسبل معالجتها ،ولا إعلان عن خارطة طريق للخروج من الأزمة على اسس اصلاحية صحيحة،كل ما نشهده هو تخبط في القرارات فحيناً يصدر قرار و حيناً آخر يتراجع عنه لأسباب مبهمة، وما زاد الطين بلّة دخول أزمة الكورونا لتكون المسمار الأخير الذي يدّق في نعش الدورة الإقتصادية.

إنّ بداية دياب كانت كما يقول المثل" أول دخوله شمعة على طوله"، فما كاد يدخل السراي الحكومي حتى إنخرط في دوامة المناكفات السياسية التقليدية عبر تبنيه أدبيات السلطة "المأفلسة" فتراه حيناً يحمّل مسؤولية الأزمة للسياسات الإقتصادية المتراكمة منذ العقود السابقة، وحيناً آخر يصف البعض بالأوركسترا التي تحرّض في الخارج ضدّ لبنان لمنع الدول من مساعدته مالياً ومنعه من الإنهيار، محاولاً صرف النظر عن الأزمة الحقيقة للبنان وهي "العزلة الدولية إلى حين اعادة تموضع لبنان في مساره الطبيعي"، فعلى الصعيد الدولي يحاول إقناع الرأي العام بمدى جدية حكومته في الإصلاحات، لكن حتى الآن هذه المحاولات تبوء بالفشل، فلا رُدَّ على طلبه بجولة خليجية-مصرية، ولا بارك سفراء العرب حكومته، حتى وأن السفراء الدوليين وضعوا المساعدات شرط الإصلاحات، لا بل أكثر من هذا الإنفتاح القطري لم ينضج حتى الساعة، فوعود إيداعات سندات الخزينة الناتجة عن القمة الإقتصادية في بيروت حتى الآن لم تنفذ.

أمّا على الصعيد المحلي، فالأنظار كلّها متّجه نحو وباء كورونا المستجد . فمع بداية الأزمة تعاطت الدولة مع الموضوع بإستخفاف لإعتبارات سياسية عدّة، فكان الرهان على مرحلة الإحتواء، لكن في بلد مثل لبنان حيث الرقابة تعتبر نوعاً ما هشّة، كان من الصعب إحتواءه.

وعندما شعر اللبنانيون بتقاعس دور الدولة، إضطروا بالتعاون مع بعض القنوات اللبنانية للعب دورها، فكانوا السباقيين بإعلان حالة الطوارئ و بادروا بمساعي فردية لجمع الأموال والمساعدات، فبدلاً من أن يأخذ إجراءات إستباقية لحماية البلد منذ البداية قرر إغلاقه في وجه أبنائه الذين فضلوا العودة إلى ربوع الوطن، لولا بعض العقلاء في البلد الحريصين الذين رفضوا المسّ بسلامة المغتربين وأمنهم، فإضطر للرجوع عن قراره ، ومع وصول أول طائرة عائدة كان دياب أول الحاضرين مستقبلاً العائدين إستقبال الأم لأولادها، متباهياً بإنجاز كان هو من أوّل المعارضين له.

كل هذه الهفوات ولدّت حالة من الإستياء في الشارع اللبناني ممّا زاد الضغط على الحكومة أكثر و أكثر، فكان الحل بإنشاء عراضات شعبية لتسجيل إنتصارات وهمية، فعُدنا الى العصر الذهبي للفن اللبناني حيث التطبيل و الرقص لكن المفارقة كانت على حساب أوجاع الناس و عاد بنا الى زمن الشعر و معلّقات المديح والإثناء ، علّها ترفع المعنويات كي يتسنى له أن يُضيف إنجازاً في موسوعة إنجازاته، فتحولت بالتالي حكومة التحديات إلى فرقة ابو سليم الطبل، فبدلاً من تشكيل خليّة أزمة لإتخاذ إجراءات مجدية مثل إعفاء المواطنين من فواتير الإتصالات والكهرباء والمياه والميكانيك أو ضبط سعر صرف الدولار الذي تخطى٣٠٠٠ل.ل للمرة الأولى منذ ٣٠ سنة، او حتى القيام بتخفيض اسعار البنزين رغم هبوط سعره في الأسواق العالمية في الآونة الأخيرة، لا بل على العكس ذهبت الحكومة الى ماهو أبعد من ذلك، فرضت غرامات مالية عالية للمخالفين وكأن المواطن إنما هو خارج للرفاهية، متناسية أنّ معظم العائلات تكاد لا تجد قوت يومها، رغم ان مشروع دعم الأسر الأكثر فقراً الممول من صندوق النقد الدولي كان حاضراً إلا ان عشوائية المعايير الناتجة عن التسرع في سبيل بروباغندا اعلامية حالت الى تأجيل المشروع لحين وضع معايير واضحة.

حضرة الرئيس ...انت الآن في موقع ارتضيت لنفسك أن تكون فيه، تقوم بواجبك حيث يقتضي منك هذا المنصب أو بمعنى آخر " مجبرٌ أخاك لا بطل " ، فلا زيارة المطارات ولا التعاونيات و لا خطابات تحقيق نسب عالية من الإصلاحات ولا المناكفات السياسية تسمن و تغني من جوع لأن المشكلة الحقيقية هي ما بعد الكورونا، إمّا العزلة وإما الإنفتاح و الوصول الى بر الأمان.

هذا ما عندنا و الله ولي التوفيق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

15 نيسان 2020 16:56