28 آب 2020 | 13:17

هايد بارك

سعد الحريري...حيث لا يجرؤ الآخرون - هدى علاء الدين

سعد الحريري...حيث لا يجرؤ الآخرون - هدى علاء الدين

كتبت هدى علاء الدين: 

تسير خطى الرئيس سعد الحريري في الآونة الأخير على نهج تكتيكي مفاجئ، وهو نهج أصبح يلازمه في العديد من المحطات الحاسمة والفاصلة، يتقن من خلاله التحكم بقوانين اللعبة السياسية ورمي الكرة في ملعب الآخرين في التوقيت الذي يراه مناسباً. فقد أصبح واضحاً أن سعد الحريري اليوم ليس سعد الحريري الأمس، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. 


الحريري الذي وضعته الحياة السياسية في لبنان بقساوتها وخبثها وكيديتها في مواقف لا يحسد عليها، والذي تجرع عنوةً سم التسويات الواحدة تلو الأخرى، يدرك اليوم حق المعرفة أن زمن التسويات ولّى وأن عام 2020 لن يكون كسابق أعوامه. من هنا كان لا بد من قطع الشك باليقين وإعلانه أنه غير مرشح لرئاسة الحكومة الجديدة متمنياً من الجميع سحب اسمه من التداول، مؤكداً أن المدخل الوحيد هو احترام رئيس الجمهورية للدستور ودعوته فوراً لاستشارات نيابية ملزمة عملاً بالمادة 53 والإقلاع نهائياً عن بدعة التأليف قبل التكليف. وإذ يُحسب للحريري اتخاذه قرارات تنسجم مع جمهوره وتريح قاعدته الشعبية بعدما أجبر في كثير من الأحيان على فعل ما لا يريد وعلى اتخاذ قرارات لا تحظى برضاها، تدرك هذه القاعدة التي يشتد رابطها به يوما بعد يوم أن الحريري منهم وإليهم يعود.


إذاً، تحرر الرئيس سعد الحريري من عبء التكليف والتأليف كما تحرر من عبء التسوية الرئاسية في 14 شباط 2020، وقبلها من عبء الاستمرار في حكومة لا تحظى بغطاء شعبي في 19 تشرين الأول 2019، وانسحب مجدداً من فخ التسويات التي لم تعد تجدي نفعاً ومن الحسابات السياسية الضيقة التي تحاك على حساب دماء اللبنانيين. فهو حتما لن يرضى بأن يكون طعماً يرميه المستفيدون من توليه رئاسة الحكومة متى شاؤوا أو غطاء لما تبقى من عهد فاقت مخاطره كل التوقعات.


لكل من اتهم سعد الحريري باطلاً بأنه سيساوم على قرار المحكمة من أجل كرسي السراي، ولكل من يزايد على قراراته في ظل كباش سياسي لا يشبهه، عليه أن يدرك أن الحريري منع بلحمه الحي فتنة سنية شيعية على مدى ١٥ عاماً حرصاً على السلم الداخلي والوحدة الوطنية، وأنه الوحيد الذي استجاب لمطالب شعبه حينما وضع استقالته بتصرفهم. ليس سعد الحريري من يدير ظهره لوطنه وشعبه، لكنه لن يكون هذه المرة شاهد زور كما يريدونه أن يكون ولن يدخل السراي على دماء شعبه وهو القائل: "هالقد بدا الكرسي تعمل عشان منصب سياسي... عمرو ما يكون هالمنصب". 


نعم، يشكل الحريري بصيص الأمل الوحيد في بحر اليأس الذي يغرق به اللبنانيون، فبيده مفاتيح إنقاذية تتجلى في علاقاته العربية والدولية وفي قدرته على إعادة الثقة وجذب الاستثمارات لما يملكه من ليونة وديبلوماسية يضعهما دائماً في خدمة وطنه. لكن العمل ضمن مجموعة تعيش حالة من النكران والفوضى باتت مستحيلة، فهي لن تساعده في إيجاد حلول للأزمات المستعصية التي يمر بها لبنان، لا بل على العكس ستزيد من حدتها وتفاقمها. خسر الحريري الكثير ودفع من شعبيته من أجل الحفاظ على لبنان، قاوم بهدوء وهادن بشرف وتحمّل الخذلان في زمن الخيبات والغبن وسياسة الإلغاء والإكراه، لكنه ليس مستعداً لتقديم المزيد من التنازلات والتضحيات بعد الآن. هو الذي أراد أن يدخل معهم في تسويات علّه يستطيع تغيرهم وتحويلهم إلى رجالات دولة تكون فيها مصلحة لبنان العليا فوق أي اعتبار، إلا أنه يحق القول فيهم: إن الله لا يغيـر ما بقـوم حتى يغيـروا ما بأنفسـهم.


سيبقى الرئيس سعد الحريري اليوم وغداً الخيار الأول وربما الأوحد لرئاسة حكومة تعمل على إنقاذ لبنان وانتشاله من مستنقع الانهيار، لكنه اليوم اختار بملء إرادته أن يترفع عن المناصب والكراسي... وحده من امتلك جرأة التنحي والابتعاد.... وفعلها حيث لا يجرؤ الآخرين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

28 آب 2020 13:17