كورونا في لبنان ساعة بساعة

134254

إصابة مؤكدة

1078

وفيات

86019

شفاء تام

1 تشرين الثاني 2020 | 18:43

فن

‏"آخ يا بلدنا".. قالها "شوشو" ورحل!‏

‏

‏ زياد سامي عيتاني‎*‎


تطل اليوم (٢ تشرين الثاني ١٩٧٥) الذكرى ال ٤٥ لرحيل "شوشو" حسن علاء الدين،الفنان ‏العبقري والمغامر والجريئ، صاحب الشخصيته الفنية الفذَّة والأعمال المسرحية التي أسست ‏للمسرح اليومي والفرقة الثابتة، الذي جعله فخوراً ومعتزاً بما قدمه من أعمال خالدة دونها بعرق ‏جبينه على خشبات مسرحه الوطني، ليصبح عرشه الذي تربع عليه ملكاً إبداعاً وتمثيلاً وتعبيراً ‏فكاهياً عن وجعه ووجع الناس... فكانت ظاهرة إستثنائية لن تتكر قط في لبنان‎! ‎

لقد قدم "شوشو" واحدة من أعقد الشخصيات الفنية وأكثرها إثارة للجدل، لتتحول إلى شخصية ‏فنية ذات معان حسية وأبعاد إنساية تضج بالحياة من خلال سخريته العنيفة، نتذكر منها تلك ‏الصرخة المدوية " أخ يا بلدنا" التي أطلقها، والتي عبرت إلى أقصى الحدود بجرأة وشجاعة عن ‏وجع الناس، التي مازال اللبنانيون يرددونها كل يوم، لما تختزل حروفها من تعبير صادق ‏لأوجاعم المتراكمة والمتكاثرة والمتزايدة لحد فقدان الأمل‎...‎

إنه بإختصار "شوشو" المغامر الإنتحاري، المجنون (ربما) الذي نقش إسمه على فضاء المدينة، ‏حيث سد الفراغات الهائلة بالمسرح الشعبي-الهادف، وبالجمهور المتفاعل إلى أقصى الحدود، ‏حتى تحول إلى أسطورة مسرحية، لا بل أسطورة المسرح‎...‎

‎**‎

‎•"‎البسطة" مسرحه الأول‎:‎

سكن الفنان «شوشو» حسن علاء الدين (1939-1975) لمدة ثلاثين عاماً تقريباً في الطبقة ‏الأولى من مبنى متواضع في محلة "البسطة" التي كانت عمق بيروت الشعبي ومعقل ‏‏"القبضايات" ومسرحاً يومياً لحياة المدينة المتناقضة‎.‎

عاش أسطورة المسرح الشعبي في هذا الحي البيروتي، عاش فيه متواضعاً" وهادئاً وخجولاً ‏ومهذباً (رغم شخصيته المسرحية الثائرة)، ومات "درويشاً" ومديوناً ومقهوراً‎!!!‎

‎•‎يساريٌ بالفطرة‎:‎

لم يكن منتمياً إلى أي حزب سياسي، ولم يكن أيديولوجياً، لكنه كان يساري الهوى، أو "يسارياً ‏بطريقة عفوية"، إذ تمكن بفضل عبقريته الإستثنائية من تحويل الكوميديا الى عمل سياسي – ‏إجتماعي ونقدي‎.‎

‎•‎شخصيته‎:‎

تميزت شخصية "شوشو" بطابع خاص إستقاه من وحي شخصية "شارلي شابلن"، لكن حسن ‏علاء الدين طوّر شخصية "شوشو" بشكل أنسى معها المشاهدين لعشر سنوات (1965 -1975) ‏أن "شوشو" مستوحى من الكوميدي العالمي. هو أيضاً أحبّ "لوريل وهاردي" وتأثّر بالكوميديا ‏العربية وأعجب "ببشارة واكيم"، و"إسماعيل ياسين‎".‎

إن صوته وصفاته الجسدية (نحيل وضئيل الجسد وشعره كث طويل مجعد وشارباه كثيفان بشكل ‏طبيعي ومن دون إضافات، وصوته رفيع مميز، ولكنته يأكل معها العديد من الأحرف وينطقها ‏بطريقة مضحكة وطفولية وعفوية)، كلها تضافرت مع النصوص الجدية جداً، لتخرج من هذه ‏الخلطة شخصية لم تضاهها في التأثير والشهرة أي شخصية أخرى‎.‎

في التمثيل، ساعده جسم مرن طيّع يمكنه أن يؤدي الكوميديا الحركية والإيمائية، وصوت يعرف ‏كيف يتلاعب به. وتقنية رفيعة في الأداء الكوميدي مقرونة بميزان يقيس ضحك الجمهور ولا ‏يخطيء‎. ‎

‎•‎عاشق للمسرح‎:‎

كان "شوشو" عاشقاً للمسرح، حيث يحضر إلى الخشبة قبل ساعتين من العرض، ينير غرفه و ‏قاعاته بالكهرباء، يجلس بين الكواليس يدخن، يفتل شاربيه، و ينام أحياناً بين الكواليس، إذ كان ‏يضع أريكة صغيرة لينام عليها.. كأنما تراب الخشبة يمدّه بالأوكسجين. يعمل ماكياجه بنفسه، ‏يطمئن إلى أن كل شيء على ما يرام، ثم ينطلق إلى الخشبة، وحين يسمع ضحكات الجمهور ‏وتصفيقه ينسى همومه النفسية وآلامه البدنية‎.‎

‎•‎المسرح الشعبي الراقي‎:‎

تطور أداؤه من مسرحية إلى أخرى حتى إستطاع مسرحه أن يطور نوع الكوميديا التي يقدمها. ‏وأصبح مسرحاً شعبياً لا من حيث إقبال الجماهير فحسب، بل كونه أصبح منبراً شعبياً. وبلغت ‏عروضه الذروة مع مسرحية "آخ يا بلدنا" التي كتبها فارس يواكيم وأخرجها روجيه عساف، ‏والتي تخللها الأغنية-الصرخة "شحادين يا بادنا" كلمات ميشال طعمة وألحان إلياس الرحباني‎.‎

‎•‎شحادين يا بلدنا‎:‎

‎ ‎أطلق المرحوم "شوشو" من خلف جسده النحيل وشاربيه الكثين أغنية "شحادين يا بلدنا" في ‏مسرحيته "آخ يا بلدنا" سنة 1974، كلمات الأغنية تنطبق على واقع ذلك الزمان حيث كان لبنان ‏في بحبوحة وهناك فائض في الميزانية، ولم يكن هناك دين ولا عجز وإقتصاد منهار وظروف ‏معيشية كارسية وفساد غير المسبوق الذي نعيشه في أيامنا، وكأنه كان سابق لعصره وزمانه، ‏ليتنبأ ما سوف تؤول إليه الأوضع من إنحدار مخيف ومقلق على مستقبل وطنه، حيث تتكلم ‏الاغنية عن نشالين ونصابين وعطشانين ومظلومين وجوعانين وطفرانين واراض وجرايد و ‏ضماير ووزراء ومدراء وحجاب وشعراء وكتاب للبيع‎...‎

وعلى ضوء هذه الأغنية، دعت النيابة العامة "شوشو" للمثول أمامها للتحقيق في هذه الجريمة ‏الكبيرة(!) بعد أن داهم عدد من رجال الأمن مكتبه و صادروا 135 أسطوانة و طلبوا سحب ‏الاسطوانات من الأسواق‎!!!‎

‎•‎النكتة السياسية الساخرة‎:‎

إشتهر بأنه يضّمن مسرحياته “لطشات سياسية” تتضمن نقداً لحالة راهنة. وكان الجمهور يطرب ‏لهذه النكات ولم يكن السياسيون (موضوع الإنتقاد) ينزعجون، لأن النقد مغلف بالسخرية‎.‎

وذات يوم إنطلقت شائعة مفادها أن "شوشو" ألقى نكتة (بدي صباط فرعته فرنجية شريطه كامل ‏يصائب ع إجري)، وهي ليست بنكتة بل شتيمة. والقصة مفبركة من أساسها. لكن الشائعة ‏إنتشرت كالنار في الهشيم ورافقها أنه اعتقل بسببها. إلى حدّ أن صديقاً إتصل به في مكتبه وسأله ‏‏“صحيح إنت معتقل؟ فأجابه: "ما إنت عم تطلبني ع مكتبي‎".‎

ملأ "شوشو" الأجواء ضحكاً وإنتقاداً للسيئ السائد في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، وهو ‏يقض مضاجع الفاسدين من سياسيين وغير سياسيين في البلد، وأصبحت إنتقاداته نكاتاً تتردد ‏على الألسنة وفي الشوارع والصالونات وكل مكان‎.‎

‏•تحويل سينما "شهرزاد" إلى "المسرح الوطني":‏

‏‎أنشأ "شوشو" والمخرج والمؤلف القادم من طرابلس نزار ميقاتي والكاتب وجيه رضوان في ‏تشرين الثاني 1965 في ساحة "البرج" “المسرح الوطني”، عندما حولوا صالة سينما "شهرزاد" ‏التي كانت تعاني من ركود في العمل إلى مسرح يومي، وكوَّنوا فرقة له بطلها ونجمها "شوشو" ‏نفسه، الذي كان يكثف من عطائه ويضاعف من طاقاته لتتوالى العروض المسرحية على خشبة ‏‏“المسرح الوطني” إذ وصلت إلى 24 مسرحية، كأنه يتوقع موته المبكر(!)، حيث كان على سباق ‏دائم مع الوقت.‏

الطريف في الموضوع أن "شوشو" كان يمر بالمصادفة من أمام صالة “شهرزاد” فوجد مديرها ‏ومدير صالة سينما “دنيا” أنطوان شويري عند مدخل السينما، فسأله "شوشو": هل تؤجرني هذه ‏الصالة؟ فقال له: لماذا؟ قال: أريد أن أجعل منها مسرحاً. قال الشويري: أنا جاهز، تعال متى ‏شئت. فصعق "شوشو" من الجواب، إذ لم يكن يتوقع أن يوافق شويري على تأجيره إياها بهذه ‏السهولة. وفي اليوم التالي قصد شوشو الكاتب وجيه رضوان في “مقهى الحاوي” وقال له: لقد ‏جاءت ليلة القدر. سأله: كيف؟ أجابه: اتفقت مع أنطوان شويري على تحويل سينما “شهرزاد” ‏إلى مسرح. ‏

مضت الأيام فعرض رضوان الفكرة على المخرج نزار ميقاتي وعرّفه إلى "شوشو"، وتوجه ‏الثلاثة إلى ساحة "البرج" وناقشوا الموضوع مع صاحب سينما “شهرزاد” هنري شقير ومديرها ‏أنطوان شويري، وتم الإتفاق على أن يتولى شقير وشويري إعادة ترميم الصالة وتهيئتها بصورة ‏جيدة لتصبح مسرحاً، على أن يتولى الثلاثة رضوان وميقاتي و"شوشو" تجهيز المسرح والممثلين ‏وسائر العناصر اللازمة لقيام مسرح تمثيلي. وصعدوا في الليلة نفسها إلى مقهى "نصر” في ‏الروشة وتوزعوا الصلاحيات والمهام، وقسموا الحصص، على أن يكون لشوشو أربعون في ‏المئة ولنزار ميقاتي أربعون في المئة ولوجيه رضوان عشرون في المئة...‏

‏•من "المسرح الوطني" إلى مسرح "شوشو"‏

وفي 1972 تغيّر إسم المسرح الوطني وصار "مسرح شوشو". وكتبت مرة الأديبة غادة السمّان ‏مقالا ذكرت فيه أنها طلبت من سائق التاكسي أن يوصلها إلى "المسرح الوطني" فلم يعرف ‏العنوان، وحين قالت له “عند شوشو” ضحك وأوصلها إلى باب المسرح!‏

‏•الديون قضت على "شوشو":‏

بالرغم من أن مسرح "شوشو" كان يغص بالجمهور كل ليلة، فإن الديون رافقت التأسيس ‏وبالفوائد الباهظة، خصوصاًوأن "شوشو" لم يكن يملك المال عندما أسس المسرح ولم ينجح في ‏الإستدانة من المصارف، فلجأ إلى المرابين وكانت الفوائد باهظة 5% في الشهر، الأمر الذي ‏جعل مشكلة الديون تكبر كمثل كرة الثلج وتتركاكم، حتى تغدو أحد الأسباب التي قصفت عمر ‏الفنان القدير مبكراً !!!‏

فإيراد شباك التذاكر كان يذهب نصفه إلى صاحب القاعة والنصف الآخر إلى "شوشو" وشريكه ‏محمد الطوخي. وبعد دفع رواتب الممثلين والعاملين في الفرقة وتكاليف الإنتاج يتقاسم "شوشو" ‏والطوخي ما تبقى من مال. وكان على "شوشو" أن يدفع 60% فوائد الديون للمرابين. وبالقليل ‏الذي يبقى له ينفق منه على مصروفه الشخصي ومصروف عائلته. الأمر الذي دفعه إلى إنتاج ‏أفلاماً سينمائية بقصد زيادة المدخول للتمكن من الوفاء والإلتزام بالمستحقات المالية المترتبة ‏عليه. لكن ومن سوء طالعه أن هذه الأفلام لم تحقق الأرجاح المرجوة فتضاعفت ديونه!!!‏

هذه الديون أرهقت "شوشو" مالياً ونفسياً، بل وصحياً. فكان يمضي وقتاً طويلاً في تدبير أمر ‏تدويرها وسدادها.‏

بيد أنه برغم ديونه الباهظة، كان "شوشو" يحرص على دفع رواتب عناصر الفرقة في اليوم ‏الأول من الشهر، وعلى صرف المكافآت المتفق عليها للكتاب والمخرجين.‏

‏**‏

كانت وفاة شوشو عام 1975 إيذاناً بموت الزمن الجميل، فانطفأت شعلة "المسرح الوطني" ‏وتوقف قلب بيروت عن الخفقان وأظلمت ساحة البرج ودفنت وحشية الحرب وإجرامها مسارح ‏بيروت التقليدية والتاريخية، لتنطوي صفحة مضيئة من تاريخ العاصمة، ليتحول البلد من وقتها ‏إلى "خيمة كاراكوز" !!!‏

‏**‏

‏*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.‏

















يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

1 تشرين الثاني 2020 18:43