7 كانون الأول 2020 | 12:23

مقالات

على قرن ثور

رشيد درباس


"من حسب نفسه أذكى أهل الغرفة، فهو في الغرفة الخطأ" - كونفوشيوس



قامت دولتنا منذ مئة عام بهيئة سَوِيَّةٍ سليمة وأعضاء متكاملة: نظرها من استشراف الجبال وحِدَّتِها، وسمعها من آذان الأودية، وشرايينها أنهار من الصفا والعسل، وأحشاؤها من خصب السهول وما كَنَّتِ الأرض من جذور واكتست من سنبل وثمر.


صغرت مساحتها فامتدت أياديها مجاذيف تعبر البحر إلى القارات، فكأنها الجسور التي تديم الوصل بين الأصل والفصل، ونحتت من الثلج كلامًا مذابًا على الشفاه، وَبَرْدًا على الأفئدة.


قراها حواضر تمدُّنٍ، وحواضرها قرى من الإلفة، تجذب الضيف فيقيم وتنادي الظاعن فيعود، فكأنها الظلال التي أوت الجامعات إليها، ونَعِمَ العلم تحت سنديانها، وتوزعت صحفها على صحائف من ذهب الريادة ومعدن الابتكار، فهرعت إليها النخب العربية وغرفت من نبع لا ينضب، ثم تفرعت في الصحارى تزرع الواحات بوشيج الأواصر وحديد البصائر.


سخَّر أطباؤها المناخ كأهم وسائل العلاج في مراكزهم المرموقة، واستدرجت فنونها الملأ إلى أدراج بعلبك، وقدمت لها النجوم أوراق عرفانها بجميل إرسال سفيرتنا إليها؛ كل هذا كان من الماضي القريب الذي تراه العين وتقصر عنه اليد، فتلكم اللوحة - الدولة لم تكن من نسج خيال الرحابنة أو من ريشة حبيب سرور، بل كانت ائتلافًا طبيعيًّا دعا إليه الألوانَ المختلفةَ في نسق من حياة لم تحسن الدفاع عن نفسها ولم تُحَصِّنَ رونقها من فظاظة الأحداث ورعونة ساسة أحداث.


منذ نكبة فلسطين، علقت الخريطة على قرن ثور هائج، ما زالوا ينشرون أمامه الخِرَقَ الأرجوانية، فيملأ المضمارَ خطرًا وغضباً وَخُوارًا، فإذا ما هدىء برهة شكّوه بأسِنَّةِ سيوفهم، وهتفوا "أو... لي" فيما الخريطة تهتز وترتج وتترنح... ولا تسقط.


اندلعت أحداث 1958 فخلنا أن لا وفاق بعدها، لكن شعار "لبنان واحد لا لبنانان" جسده الرئيس الراحل فؤاد شهاب وراح يرص المداميك ويدعم السقوف، ويجعل الباب السوري آمنًا، والدور بين العرب محترمًا، فاستثمر في هذا كلّه لإدخالِ الحداثة بما تضيق عنه هذه السطور، وما لا نزال نعيش على فتاته حتى الآن.


وقعت الكارثة الأخرى بهزيمة العام 1967، وكان لبنان الوحيد من دول الطوق الذي لم تنتهك إسرائيل حدوده؛ لكن المشاعر التي رفضت الرضوخ لآثار الحرب تخطت معايير الرجاحة، وساد ما يشبه الإجماع أن الحدود كلها مفتوحة أمام العمل الفدائي مهما كان الثمن، إلى أن اكتشفنا بعد فوات الأوان، أن فكرة المقاومة اسْتُغْفِلت فتحولت إلى دولة داخل الدولة، فكان ما كان من حرب أهلية، واعتداءات إسرائيلية ثم اجتياح لعاصمتنا حتى أصبحت دعاوى التقسيم من المسائل المجاهر بها، وصار الأمن اللبناني مشتتًا بين "أمن مسيحي فوق كل اعتبار" و "أمن إسلامي في حضن العروبة الدافئ"، حتى جاء اتفاق الطائف فرمَّم البنية الدستورية، ووضع حدًّا للنزوع إلى الهيمنة أو التَّغّوُّل، وحفظ للمسيحيين مناصفة لا تعترف بالإحصاءات. ولقد كان مقدرًا له أن يكون منطلق الخطوات الأولى في استئناف بناء الدولة الحديثة، لولا اغتيال الرئيس معوض واستباحة القصر الجمهوري ومقر قيادة الجيش، من قبل القوات السورية بموافقة أميركية، للأسباب المعروفة التي غلَّبت الوهم على الواقع، بالإضافة إلى اختراق "المجتمع المسيحي" عسكريًّا وسياسيًّا بفعل حرب الإلغاء، فأصبح ثبات الخريطة اللبنانية فوق قرن الثور، مرهونًا بما تقدمه الدولة السورية لذلك الثور من عَلَفٍ يجري خلطه مرة بالمهدئات ومرارًا بالمُحَفِّزات والمُنَشِّطات، إلى أن وقعت زلزلة جديدة ما زلنا نعيش ارتداداتها، ودُفِنَ مشروع رفيق الحريري مع جسده في وسط بيروت الذي أعاد إعماره، فهاجت الجماهير التي تآخت مع الجيش اللبناني، وأُنْجِزَ خروج سوريا من لبنان، وتنفس القوم الصعداء، وخالوا في ظنهم أنه آن لهذا الثور أن يستريح وينزلنا عن قرنه. لكن الأمور جرت على غير ما كنا نشتهيه من التحرير، إذ لم نعد نكتفي بإخراج العدو من ترابنا، بل خرج من بيننا من هم أهل فضل وبأس وامتداد لِيُسَخِّروا الدولة المهيضة رغم أنفها، منصة فكرية وسياسية وعسكرية لتحرير ما تبقى مما تبتكره الحاجة من أراضٍ محتلة، وفرضوا علينا انخراطاً محوريًّا شبه مباشر، ونمطًا يذكّر بعهد الوصاية، لكنه شديد الانضباط، يرتبط بشكل وثيق ومعلن بولاية الفقيه الإيرانية، فبتنا والحال كما ذكر نعاني من نقصٍ حادٍّ في عروبة الدول المُطَبِّعَة، لن يتم تعويضه بجرعة فارسية زائدة لم يُسْتَسَغْ طعمها ولم تظهرْ نجاعتُها إلى الآن.


لكن لبنان الذي تجري إدامة وضعه على هذا القرن أثبت أنه أعصى من ان يُرَوَّضَ في خِدْمة المشاريع المخالفة الطبيعةَ، ذلك أن الثور يتعذر استحلابه أو تأنيثه بإضافة التاء المربوطة، فالثورة ليست أنثاه، بل هي "الماتادور" الافتراضي الذي ننتظره ولا يأتي.


تعاملنا مع الفراغ الرئاسي بحكومة حافظت على التوازن ما أمكن، إلى أن قرر من بيدهم الأمر الذهاب إلى التسوية، التي جرى تنميقها بكثير من الخطب والاتفاقات والمواثيق. ولأنهم لم يعيروا اهتمامًا كافيًا لحسن النيات، فإنهم ما لبثوا أن كنسوا كلمات الاتفاقات بمكنسة أوراق الخريف المتساقطة، والشجرة لم تنتصب بعد بقامتها المأمولة وغصونها المثمرة.


لم تأخذ الأمور شكلها الفاقع كمثل تأليف حكومات العهد، إذ استقلت أوصال آلة الحكم عن بدنها، وتجافت الأتراس وتكسرت أسنانها بفعل فقدان انسجام المرافق واتساقها، وانقضَّت المذاهب على الثوّار، وانفجر المرفأ فهز الكرة الأرضية وعجز عن هز السلطة التي استقالت حكومتها من غير أن تتوقف عن تسيير أعمالها السيئة، وارتفعت فضيحتنا إلى الحضرة الدولية التي أنزلت تصنيفنا من دولة، إلى جمعيات وبلديات تستحق الصدَقة، وفق ما أسفر عنه مؤتمر مساعدة لبنان.


لم يدر في خلد اللبنانيين أن يعجز الرئيسان عن توليف تشكيلة من ثمانية عشر، لأن المالية مصرة على ثوبها الشيعي، والداخلية على جلبابها السني، والكهرباء على توترها الكلامي العالي الخالي من النور، وأن كونفوشيوس العصر الحديث ما زال مصرًّا على تغيير الدستور بالممارسة في الوقت الضائع، حتى لو كانت عشوائية ومتخبطة، كَمَثَل طبيب الأسنان المزعوم الذي يخلع ضرس العقل السليم بكمّاشة ملوثة، من غير تخدير فك المريض المنكود الحظ.


الآن، كل شيء يتصدع، بما في ذلك الأحلاف، وبتنا نسمع ونقرأ عن إعادة إنتاج حل ِّجغرافي للمعضلة اللبنانية، بطريقة التنصل الساذجة. ففكرة التقسيم التي فشلت سابقًا، أصبحت ضربًا من الهذيان بعدما تعقدت الأمور وتشابكت، بحيث يتعذر على أي مجتمع "كانتوني" مستجد أن يجاور مجتمعًا رفيع التسليح كثيف السكان متشعب العلاقات والأدوار؛ فمثل ذاك الكيان المتوهَّم سيعيش حالة ذِمَّيةً مُقَنَّعَةً، فإن سعى إلى التسلح كان سعيه فعلًا وراء تجديد الحرب الأهلية، في وطن تاريخه حافلبالنزاعات الوحشية داخل أبناء الطائفة الواحدة. فمن يطيق تجدد الاشتباكات بين الحواري والأبنية والطوابق والشقق؟


لا أظن أن الحلول التنصلية ستعيد تكوين لبنان الفدرالي أو اللامركزي الموسع. وأنا على يقين أن تحويل لبنان إلى قاعدة أساس من قواعد الاشتباك الإقليمي والدولي الدائر، مشروع ثبت فشله في الماضي، وسيفشل راهنًا بكلفة أكبر وبأصدقاء أقل، وما زلت أعوِّل على أن الانهيار المريع الذي نعيشه قد يفضي إلى نور يخترق عتمة العقول، وأدبيات القوة، والتوكل على الغيب.


أثناء مناقشتي معه موضوعَ المقال، لفتني صديق عزيز إلى كتاب صادر عن دار النهار بعنوان "دراسات نقدية في فلسفة الدين" للدكتور أديب صعب، جاء فيه أنه ساد الأوساطَ العلمية في الماضي اعتقاد بأن الأجرام السماوية محمولة على أجنحة ملائكة، إلى أن رفض نيوتن (1727م) تلك الفكرة، وقدم نظرية الجاذبية، لكنه كان يعزو الأمر إلى إرادة الله كلما عجز علمُه عن تفسير أيِّ شذوذ في حركة الأجرام عن قانون الجاذبية. أما الفلكي الفرنسي المؤمن لابلاس(1827)، فبيَّن أن تلك الحركات ليست شاذة حقًّا، بل هي ضرورية لحسن سير ذلك القانون، فلما سأله نابوليون عن سبب إبقاء الله خارج نظامه العلمي أجاب بأنه لا يحتاج إلى تلك الفرضية، لأنه يرفض إدخال الله إلى نظريته العلمية كإله ثغرات أو إله فجوات، حتى إذا سُدَّتْ هذه الثغرات انتفت الحاجة إليه.


لقد أرهق الساسة الأكارم المعتقدات الدينية في محاولة سد فجواتهم وعوراتهم، فأنكرتهم الكهرباء، ونبذهم علم المال، واحتقرتهم العدالة، وازدرت بهم "الإنترنت"، وصبَّ الدين لعنته عليهم، لكنهم ما برحوا يراهن كلٌّ منهم على قرن الثور أن يقذف الخريطة إليه؛ فهل تُراهم يفقهون أن حكاية الأرض المحمولةِ على قرن ثور "حديثُ خرافةٍ يا أمَّ عَمْرِو"؟ ألا رحِمَ الله ابن أدهم العِجْليَّ القائل:


نرقِّعُ دنيانا بتمزيق دينِنا فلا دينُنا يبقى ولا ما نرقِّعُ


يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

7 كانون الأول 2020 12:23