كورونا في لبنان ساعة بساعة

617036

إصابة مؤكدة

8228

وفيات

578357

شفاء تام

14 أيلول 2021 | 19:09

فن

رياض القصبجي.. "الشاويش عطية" عاش فقيراً ومات حزيناً‎!‎

زياد سامي عيتاني‎*‎




حلت بصمت ذكرى ميلاد الفنان رياض القصبجي الشهير بشخصية ‏‏"الشاويش عطية"، المولود في 13 سبتمبر (أيلول) عام 1903، بمدينة ‏‏"جرجا" في محافظة "سوهاج" والمتوفي في 23 أبريل (نيسان) 1963، ‏عن عمر ناهز 60 عاماً، أضحكنا خلال سنوات تمثيله كثيراً، ثم مات ‏مريضاً وحزيناً وعاتباً ومتألماً من أوجاعه النفسية أكثر بكثير من أوجاعه ‏الجسدية، بسبب إهمال الفنان إسماعيل ياسين له طيلة فترة مرضه، ‏بالرغم من أنهما شكلا سوياً ثنائيا ناجحاً وشهيراً في السينما المصرية، ‏إستطاع أن يحقق العديد من النجاحات لسنوات طويلة، وكذلك رسم ‏الضحكة على شفاه الجمهور بمختلف الأجيال‎!!!‎

فالفنان الكبير رياض القصبجي أحد عمالقة "الكوميديا" في زمن الفن ‏الجميل بالرغم من أنه لم يحصل يوماً على أدوار البطولة، وظل طوال ‏حياته يؤدي الدور الثانى والثالث ، لكنه ومن خلال مشاهد قليلة في ‏الأفلام التي شارك إستطاع أن يخلد إسمه فى سجلات عمالقة الفن ‏ومبدعيه الذين حفروا أسماءهم في وجدان وذاكرة الملايين‎.‎

‎"‎شغلتك على المدفع بروروم‎"...‎

لا يستطيع أحد من محبي أفلام الزمن الجميل عدم تذكر صاحب هذا ‏‏"الأفيه" (كلمة فرنسية‎ (effet) ‎معناها المؤثرات، حيث يستعملها اهل ‏الدراما والتمثيل بمعنى جملة تهريجية أو كلام ذوتأثير)، تلك "الأفيه" ‏لصاحب الإبتسامة والضحكة المميزة، الذي عمل في بداية حياته العملية ‏‏"مساري" بالسكة الحديد، وكان يمارس رياضتى رفع الأثقال والملاكمة، ‏ونظراً لحبه وإهتمامه المبكر بالتمثيل إنضم إلى فرقة التمثيل الخاصة ‏بالسكة الحديد، وأصبح عضوا بارزا بهذه الفرقة، قبل الإنضام لاحقاً إلى ‏فرق مسرحية إحترافية عديدة، انضم لفرق مسرحية عديدة، منها: فرقة ‏الهواة وفرقة أحمد الشامي، وفرقة علي الكسار، وفرقة جورج أبيض، ‏وأخيراً فرقة إسماعيل ياسين المسرحية‎.‎

وإستطاع أن يجسد الطيبة والبساطة وفى نفس الوقت يؤدى أدوار الشر ‏كأخطر رئيس عصابة، غير أن شهرته جاءت بعد أن شارك إسماعيل ‏ياسين في أفلامه فإشتهر بشخصية "الشاويش عطية"، بالرغم من أنه قدم ‏العديد من الشخصيات في عشرات الأفلام السينمائية، لكن الجمهور ‏يتذكره دائماً بدوره الأشهر في سلسلة الأفلام التي حملت اسم الفنان ‏إسماعيل ياسين، وهو الدور الذي ظل لصيق به حتى يومنا هذا، فلا ‏يعرف كثيرون اسمه الحقيقي، لكن يعرفون أنه الشاويش عطية‎!!!‎

‎**‎

‎•‎الهروب من الثأر إلى الفن‎:‎

بعدما أصبح رياض القصبجي عضواً بارزاً في "جماعة" التمثيل بالسكة ‏الحديد، نصحه زملاؤه بالسفر إلى القاهرة والاستقالة من وظيفته، والعمل ‏في إحدى الفرق المسرحية‎.‎

إلا أن القصبجي وهرباً من ثأر، وحباً بالفن، قرر التوجه إلى الإسكندرية ‏أولا، وأقام لفترة في منزل مواجه لمنزل "ريا وسكينة" (أشهر مجرمتين ‏في تاريخ مصر)، دون أن يدري، ثم ترك الإسكندرية متجهاً إلى القاهرة‎.‎

وكان أول أعماله فيلم "اليد السوداء" عام 1936، ثم جاء العمل الثاني ‏والثالث في العام التالي بعد أول بدايته الفنية بفيلمي "سر الدكتور ‏إبراهيم" و"سلامة في خير" عام 1937، بعدها "التلغراف" و"بحبح باشا" ‏رابع وخامس أفلام "الشاويش عطية" 1938‏‎.‎

بعد ذلك تعرف على الفنان محمود شكوكو، الذي قدمه للفنان علي ‏الكسار، لينضم لفرقته، وقدم معه دوراً في فيلم "سلفني 3 جنيه" عام ‏‏1939، ليحصل منه على أول أجر في حياته السينمائية وكان 50 قرشا‎.‎

وتوقف القصبجي عن المشاركة في الأعمال الفنية لعام واحد ثم استأنفها ‏بـ"ليلى بنت المدارس" و"ألف ليلة وليلة" عام 1941، واصل إبداعاته ‏الفنية بـ"عايدة" و"علي بابا والأربعين حرامي" و"بحبح في بغداد" عام ‏‏1942 و"جوهرة" 1943‏‎.‎

وفي عام 1945 بدأ القصبجي تكثيف أعماله الفنية، حيث شارك بـ6 ‏أعمال فنية وهم "أميرة الأحلام"، "البني آدم"، "الحظ السعيد"، "عنتر ‏وعبلة"، "حسن وحسن"، و"قصة غرام‎"...‎

‎**‎

‏•ثنائي فني مع إسماعيل ياسين:‏

بعد تلك الأعمال إستقر القصبجي في فرقة إسماعيل ياسين، ليشاركه ‏بطولة سلسلة من الأفلام السينمائية، من بينها الأفلام التي حملت إسمه، ‏وكان أولها "إسماعيل ياسين في الجيش"، وهو الفيلم الذي حضر إفتتاحه ‏المشير عبدالحكيم عامر، في سينما ريفولي، وظل يتحدث عن هذه ‏الذكرى بسعادة طوال الوقت.‏

أصبح رياض تميمة حظ إسماعيل ياسين لا يستغنى عنه في معظم ‏أفلامه، ورغم ذلك فإن علاقته بإسماعيل ياسين لم تكن علاقة صداقة بل ‏كانت علاقة عمل فقط، فعندما ينتهيا من التصوير لا يلتقيا ويذهب كل ‏منهما لشأنه!‏

وقدم عدد من الأعمال الفنية مع الفنان إسماعيل ياسين منها، "إسماعيل ‏يس في "البوليس"، "إسماعيل يس في الجيش"، "مغامرات إسماعيل ‏يس"، "الآنسة حنفي"، "إسماعيل يس في الأسطول"، "ابن حميدو"، ‏‏"إسماعيل يس بوليس حربي"، "بحبوح أفندى"، "إسماعيل يس في ‏مستشفى المجانين".‏

وكانت آخر أعمالهما "إسماعيل يس بوليس سري"، و"إسماعيل يس في ‏الطيران" سنة 1959...‏

‏**‏

‏•إصابته بالشلل أثناء التصوير:‏

ظل رياض القصبجى يعمل فى التمثيل ويبدع فى الكوميديا حتى أصيب ‏بالشلل نتيجة إرتفاع ضغط الدم، وإبتعد عن الأضواء وظل لسنوات ‏حبيس بيته، وذلك من جراء إصابته بمرض نادرعام 1959 عندما كان ‏يصور فيلم "أبو أحمد" مع ملك "الترسو" فريد شوقي، في عرض البحر، ‏وبسبب إختلاف درجات الحرارة تدهورت حالته الصحية، فنقل إلى ‏المستشفى ليكتشف الأطباء إصابته بشلل نصفي في الجانب الأيسر نتيجة ‏إرتفاع ضغط الدم ولم يستطع أن يغادر الفراش ولم يستطع أيضاً سداد ‏مصروفات العلاج!‏

‏**‏

‏•معاناته مع المرض:‏

في عام 1959 ذهب محرر من مجلة "الكواكب" إلى الفنان الكوميدي في ‏منزله البسيط القديم في شارع "قطة" بشبرا.‏

وكان رياض القصبجي كما وصفه محرر "الكواكب" يغالب مرضه وحده ‏ويرقد على فراشه عاجزاً وحوله العديد من الأدوية بعد أن أصاب الشلل ‏ذراعه وساقه ، يرتدي جلبابا من "الكستور"، وحاول أن يرفع يده ليصافح ‏محرر "الكواكب" لكنه عجز، وبعدها بدأت تغالبه دموعه وهو يتمتم ‏بكلمات بسيطة قائلا: "الحمد لله مستورة".‏

وقال محرر "الكواكب": "إن القصبجي الذي شارك في أكثر من 100 ‏فيلماً، وكان دخله في السنة لا يزيد عن 25 جنيهاً، ينفق منها على أسرته ‏وعلى تعليم إبنه فتحي الذي كان طفلا فى المدرسة وقتها، وبعد أن أقعده ‏المرض ساءت أحواله المادية خاصة مع حاجته للعلاج".‏

بعد نشر هذا الموضوع عن حالة الفنان الكوميدى الحزين تعاطف معه ‏عدد من زملائه وقرر كل منهم التبرع بمبلغ لعلاج رياض القصبجى ‏وأعلنت "الكواكب" عن الأسماء وقيمة التبرعات التي لم تتجاوز وقتها ‏‏265 جنيهاً.‏

‏**‏

وفاء فريد شوقي، وجحود إسماعيل يس:‏

حرص عدد من الفنانين على زيارة الفنان الراحل أثناء مرضه، مثل ‏أمينة رزق، فطين عبد الوهاب، جمال الليثي، ولكن فريد شوقي، كان ‏أكثرهم وفاء وحرصاً على زيارته، وكان يجلس معه من ساعتين إلى ‏ثلاثة ساعات في كل زيارة.‏

في حين عندما أصبح طريح الفراش، لم يقم إسماعيل ياسين بزيارته على ‏الإطلاق، ما تسبب فى حزنه وتدهور صحته، فمات متأثرا بصديقه!!!‏

‏**‏

‏•سقوطه في "الخطايا":‏

وفى أبريل عام 1962 كان المخرج حسن الإمام يقوم بتصوير فيلم ‏‏"الخطايا" الذي ينتجه عبد الحليم حافظ، وأرسل إلى القصبجى ليقوم بدور ‏في الفيلم، بعد أن سمع أنه تماثل للشفاء بعد الشلل الذي أصابه وأنه بدأ ‏يمشي ويتحرك، فأراد أن يرفع من روحه المعنوية وكان الدور مناسباً ‏جداً له.‏

وجاء "الشاويش عطية" إلى "الأستوديو" مستنداً على ذراع شقيقته ‏وتحامل على نفسه حتى يبدو وكأنه شفي ويستطيع أن يعمل، لكن حسن ‏الإمام أدرك أن القصبجي ما زال يعاني، فأخذ يطيب خاطره وطلب منه ‏بلباقة أن يستريح، لكن "الشاويش عطية" أصر على العمل، وما كاد ‏يواجه الكاميرا ويبدأ فى أداء دوره حتى سقط وإنهمرت دموعه وهم ‏يساعدونه على النهوض، وذلك من شدة التعب والحسرة لعدم قدرته على ‏العمل.‏

كانت تلك اللحظات، هي آخر مرة دخل فيها الفنان رياض القصبجي إلى ‏‏"إستديوهات" التصوير، ليعود إلى منزله حزينًا، وما هو إلا عام واحد ‏فقط وتحديداً في 23 أبريل (نيسان) 1963، حتى توفى الشاويش عطية، ‏عن عمر 60 عاماً، بعد قضائه سهرته الأخيرة مع الأسرة، والتي تناول ‏خلالها "الطعمية"، مستمعاً إلى أغاني أم كلثوم، وبقيت أعماله ترسم ‏البسمة على وجوه الملايين من كل الأجيال.‏

ولكي تكتمل فصول مأساة رياض القصبجي التي بدأت بإلتهام المرض ‏لجسده العريض إنتهت بأن أسرته لم تجد ما يغطي تكاليف جنازته وظل ‏جسده مسجى في فراشه ينتظر تكاليف جنازته ودفنه، حتى تبرع بكل هذه ‏التكاليف المنتج جمال الليثي!!!‏

بعد وفاته، تولى فريد شوقي وفطين عبدالوهاب وأمينة رزق رعاية ‏الأسرة، بحسب ما يؤكد إبنه فتحي رياض القصبجي.‏

‏**‏


‏*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

14 أيلول 2021 19:09