خيرالله خيرالله

3 كانون الأول 2019

كتب خيرالله خيرالله

أهمّية عدن

أهمّية عدن

أعطت عدن الإشارة الاولى لافول نجم الإمبراطورية البريطانية في 1967 واعطت في 1986 ‏اوّل دليل على ان الاتحاد السوفياتي بدأ ينهار. لذلك، من المهمّ بين الحين والآخر التذكير باهمّية ‏عدن مع الإشارة الى ان الاتفاق الذي وقع قبل نحو شهر بين "الشرعية" اليمنية والمجلس ‏الانتقالي كان اكثر من ضروري لاعادة حدّ ادنى من الاستقرار الى المدينة والمناطق المحيطة ‏بها. مثل هذا الاتفاق يسمح بالتفكير في المستقبل وبكون عدن ذات موقع استراتيجي، كما ان لا بدّ ‏من ان تكون تحت سيطرة التحالف العربي الذي اخرج الحوثيين منها مطلع العام 2015.‏

الأكيد ان تنفيذ اتفاق الرياض يسير ببطء، لكن الأكيد أيضا انّه خطوة كبيرة الى امام اذا اخذنا في ‏الاعتبار ان عدن تشكل جزءا من شبكة امان وامن إقليمية تبدأ بمضيق هرمز وبحر عمان ‏وصولا الى البحر الأحمر والقرن الافريقي ككل، أي بحركة المرور في اتجاه قناة السويس.‏

مناسبة الكلام عن اهمّية عدن هي الذكرى الـ52 لاستقلال جنوب اليمن في الثلاثين من تشرين ‏الثاني – نوفمبر 1967 وقيام دولة مستقلة بقيت كذلك حتّى الثاني والعشرين من ايّار – مايو ‏‏1990. يومذاك، أُعلن عن قيام الوحدة اليمنية التي أدت الى ذوبان كياني الشمال والجنوب في ‏دولة واحدة عاصمتها صنعاء.‏

كانت عدن عاصمة دولة الجنوب التي أصبحت لاحقا "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية"، ‏التجربة العربية الاولى والأخيرة لقيام حزب شيوعي عربي بممارسة السلطة. لم يكن استقلال ‏الجنوب اليمني مجرّد استقلال دولة قاوم شعبها الاستعمار. كان الاستقلال إشارة بين إشارات ‏عدة الى ان تراجع، ما كان يعتبر الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، هو تراجع نهائي. لم ‏يكن استقلال الهند في 1949 حدثا معزولا بمقدار ما كان بداية النهاية للامبراطورية البريطانية ‏التي بدأت انطلاقا من عدن الانسحاب من الخليج العربي الذي استغلته ايران، في عهد الشاه، ‏باحتلال الجزر الاماراتية الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى في العام 1971.‏

احداث داخلية كثيرة كانت بين 1967 سنة قيام دولة الجنوب و 1990، سنة نهاية التجربة ‏الاستقلالية التي يمكن ان تتكرر في يوم من الايّام، في حال سمحت الظروف بذلك، وان بشكل ‏مختلف كلّيا عن الماضي. فبعيدا عن النقاش الدائر الذي لا فائدة منه من نوع هل استقل الجنوب ‏بفضل ثورة شعبية ام بسبب التراجع البريطاني، لم تكن تجربة الاستقلال سوى سلسلة من ‏الحروب الاهلية ارتدت الطابع الدموي. بدأت هذه الحروب باستيلاء الجناح اليساري في الجبهة ‏القومية على السلطة وصولا الى اعلان قيام الحزب الاشتراكي اليمني في العام 1972.‏

لم يكن الحزب الاشتراكي اليمني، في البداية طبعا، سوى نسخة عن تلك الأحزاب الشيوعية التي ‏استخدمتها موسكو لوضع يدها على دول اوروبا الشرقية مثل هنغاريا وبولندا وبلغاريا وألمانيا ‏الشرقية وتشيكوسلوفاكيا...‏

ما ساعد الاتحاد السوفياتي في تثبيت موطئ القدم الذي أقامه في شبه الجزيرة العربية هو غياب ‏الاهتمام العالمي بعدن في مرحلة ما بعد اغلاق قناة السويس اثر حرب حزيران – يونيو 1967. ‏كان ميناء عدن في مرحلة معيّنة ثالث اهم ميناء في العالم. لم تعد له أهمية تذكر بعد اغلاق قناة ‏السويس، اذ وجدت التجارة العالمية بدائل منه شملت البحث عن طرق بحرية أخرى والاستعانة ‏بالنقل الجوّي الذي ازدهر ازدهارا كبيرا في تلك الايّام.‏

كانت تجربة "جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية" تجربة فاشلة بكل المقاييس. أدت قبل أي ‏شيء الى هجرة الادمغة والتجار من الجنوب اليمني، إضافة الى الجالية اليهودية التي كانت ذات ‏نشاط كبير في الميناء ساعد في ازدهار المدينة. لم يبق يمني جنوبي ذو شأن في "جمهورية اليمن ‏الديموقراطية الشعبية" التي لم تكن لها علاقة بالديموقراطية من قريب او بعيد.‏

استطاع الاتحاد السوفياتي عبر اجهزته، خصوصا الاجهزة الأمنية، وأجهزة أخرى تابعة للحزب ‏الشيوعي، السيطرة على اليمن الجنوبي وضبط الصراعات الداخلية الى ابعد حدود. غطت ‏موسكو التخلّص من سالم ربيع علي (سالمين) في العام 1976 وعندما وجدت ضروريا سحب ‏عبد الفتاح إسماعيل، المنظر الماركسي، الى موسكو فعلت ذلك. وعندما اضطرت الى تغطية ‏اعدام محمد صالح مطيع، فعلت ذلك ايضا من دون تردّد.‏

بين 1980 و 1986 في ايّام الحرب الباردة، ساد هدوء نسبي في اليمن الجنوبي، على الرغم ‏من ان الصراعات الداخلية لم تتوقف. اعيد فتح قناة السويس وبقي ميناء عدن معزولا. لم يستطع ‏استعادة نشاطه في مدينة كانت مليئة بالحياة في مرحلة ما قبل الاستقلال. لا حاجة الى التذكير ‏بانّ شبكة البريد كانت تعمل في عدن بشكل منتظم وبدقّة، على الطريقة البريطانية، في مرحلة ما ‏قبل الاستقلال. كان هناك ناد وملاعب لكرة المضرب (التنس) منذ العام 1901. كان السلطان ‏قابوس الذي كان عليه المرور بعدن في طريقه الى مدرسته في بريطانيا، يحلم بان تكون مسقط ‏مثل عدن في يوم من الايّام. اين مسقط اليوم وأين عدن الذي عاد السواد يلفّها بكلّ ما في ما كلمة ‏سواد من معنى؟

في الثالث عشر من كانون الثاني – يناير 1986، انفجر الوضع في عدن. انتصر خصوم علي ‏ناصر محمّد رئيس الدولة والأمين العام للحزب الاشتراكي واخرجوه الى منفاه في صنعاء ثم في ‏دمشق. لم يستطع الاتحاد السوفياتي ضبط الوضع باي شكل. تولّى "بريتانيا"، يخت ملكة بريطانيا ‏وقتذاك، اخراج المواطنين السوفيات التي اضطروا الى اخلاء المدينة. ظهرت إشارات العجز ‏على القوة العظمى الثانية في العالم.‏

قبل فضيحة المفاعل النووي تشيرنوبيل، في نيسان – ابريل 1986، كشفت احداث عدن وانهيار ‏النظام الاشتراكي فيها ان الحرب الباردة انتهت بانتصار أميركي على الغريم الروسي.‏

قاد انهيار النظام في الجنوب في العام 1986 الى قيام الوحدة في 1990، لكن تحديات جديدة ‏برزت، خصوصا بعد انكشاف اهمّية اليمن بالنسبة الى ايران ورغبتها في تطويق الخليج العربي ‏ودوله من كلّ الجهات. ليست الطموحات الايرانية في اليمن وليدة اليوم، بل هي قديمة. ففي يوم ‏الثالث عشر من يناير 1986 كان منتظرا ان يأتي الى عدن علي خامنئي، رئيس "الجمهورية ‏الإسلامية" في ايران وقتذاك...‏

الامل الآن ان يساهم اتفاق الرياض في حماية عدن من جولة عنف جديدة وان يكون جزءا من ‏المحافظة على شبكة الامن والامان الإقليمية. فمع مرور الوقت يتبيّن ان عدن ما زالت مهمّة ‏وانها ليست ميناء كبيرا قد يستعيد حيويته يوما، بل هي اكثر من ذلك بكثير. ‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

خيرالله خيرالله

3 كانون الأول 2019