بول شاؤول

16 كانون الثاني 2020

كتب بول شاوول

شفيق عبود آخر التجريبيين اللبنانيين



مُجلدٌ ضخمٌ يرسم حياة حول الفنان الكبير: ‏

صدر مجلد أنيق وضخم معزز باللوحات والصور التي تؤرّخ لمسار الفنان اللبناني ‏العالمي الكبير ‏شفيق عبود بمنطلقاته اللبنانية وتجريبيته المفتوحة وتحوّلاته، باللغتين ‏الفرنسية والإنكليزية. بدأت ‏رحلته في لبنان، وحطت طويلاً في باريس. لتدرك أهم ‏عواصم الفن العالمية.‏

وُلد في بلدة المحيدثة، جوار بكفيّا، حيث كانت تُمضي عائلته إجازة آخر الأسبوع فيها. ‏رسم ‏القرية والمناظر الطبيعية بحسٍّ انطباعيٍ على غرار بعض الفنانين اللبنانيين في ‏تلك المرحلة ‏كقيصر جميّل: أول معرض له أقامه على جدار الكنيسة الأرثوذوكسية ‏بأعمالٍ تصوّر سكان ‏القرية.‏

ينال شهادة البكالوريا عام 1944 ويتسجّل في مدرسة الآداب العليا الفرنسية ‏ليتخصص بالهندسة. ‏وفي موازاة هذه الدراسة تردد عبود إلى أكاديمية الألبا للفنون ‏الجميلة على امتداد سنتين. وقد تأثر ‏تكوينه بالفنان الإيطالي فيرناندو ماتيني والبولندي ‏ماركوفسكي. بدأ تمرّده على المنحى التقليدي ‏والأقاليمي عندما تخلى عن الهندسة. ‏أرسله والده إلى فرنسا لدرس الفن. يحطُّ هناك في مرسيلية ‏عام 1947 ثم باريس ‏ويُقيم في الحيّ اللاتيني ليتردد إلى أكاديميات تلك المنطقة التي كانت تعجّ ‏بالشعراء ‏والفلاسفة والكُتّاب والفنانين لينتقل بعدها إلى سان جيرمان دوبريه معقل ‏الفنون ‏الباريسية. وهناك قلعة على كل الاتجاهات والمدارس الفنية، وأكبّ على الرسم ‏واختار ‏مواضيع عدة منها: رسم موديل العُريّ ثم أقام أول معرض في بيروت عام 1950 ‏في ‏مركز الدراسات العليا. وهنا تبدّت له عدة طرق ليختار منها. فهو يتمتع بحسّ اللون. ‏غريزة ‏اللون باهرة عنده بكيميائية مدهشة... من عناوين تلك المرحلة في بيروت ‏‏"الشيخ" أبو نعمان ‏‏"العائلة الكردية".‏

يعود إلى باريس عام 1950 ليكون أول فنان لبناني يُسجل قطيعة مع المدرسة ‏الانطباعية السلبية ‏والفلكلورية التي انتمى إليها الجيل السابق ليصبح هو رسام ما بعد ‏الانطباعية. ومنها انتقل إلى ‏التجريد متخلياً عن كلّ رسمٍ تشخيصيٍّ فيوقّع سلسلة ‏تأليفات يسودها اللون وتتمازج فيها العناصر ‏الهندسية.‏

وفي عام 1956 يكتب: "الخطر الأكبر في الرسم هو الشكل، ويجب تجنبهُ". وهنا بدأ ‏الاتجاه ‏التجريبي وراح يختار مواده ووسائله من مصادر عديدة وغريبة، فيمزج بين ‏الأكواريل وزيت ‏الزيتون، كأنه يقول: علاقاتي بلوحاتي كعلاقاتي بالكائنات البشرية.‏

وفي شباط 1959 يُقيم معرضه الثاني في بيروت في غاليري لا روو وعندها يكتب ‏بروجيه فان ‏مينور: "فَرَضَ عبود شكلاً معاصراً للوحة".‏

أي شكلاً ليس متواطئاً بين التقليد التشخيصي والمفهوم التجريدي. بل شكلٌ يستجيب ‏للعفوية ‏الجسدية في فعل الرسم والنظام الطبيعي لمكانة الكائن الواعي في العالم. ‏تعددت معارضه الفردية ‏والجماعية في باريس ولَفَتَ الأنظار فكتب عنه كبار النُقّاد ‏باقتراحه فضاءً جديداً بعد سيزان ‏بإحلال التأليف اللوني محل البُعد الثالث. متأثراً ‏بالفنان بونّار. كأنه صار ما بعد التصويري، لكن ‏أيضاً ما بعد التجريدي، تماماً كما ‏هي الحال عند بونار.‏

ينال عام 1961 جائزة فيكتور شوفي. ومابين 1962 و 1967 كأنما تبدأ مرحلة ‏جديدة، يقول ‏الفنان: اكتشفتُ في داخلي الحاجة لأساسٍ صُلبٍ يُتيح لي الإحساس ‏بمادية الحياة. هذا البحث ‏يُترجم بتجريدية توهيمية مصوغة جيداً، بعيدة عن الواقعية ‏الطبيعية. وهنا بالذات، بدأ سعيٌ إلى ‏رسم الحياة وتناول بعض المظاهر اليومية.‏

اختيرت أعماله الجديدة لتمثّل فرنسا في المعرض العالمي عام 1963. وكُرّم في لبنان ‏عام ‏‏1964 من خلال معرض له في غاليري جانين ربيز. كما معرضٌ آخر في ‏فرانكفورت. ‏ ‏

تعرضّ عام 1964 لأزمة داخلية وخارجية مما أدى إلى إصابته بعوارض ‏صحية. ‏

عام 1966 بدأ يُشكّكُ في فنه. مسألة الثُنائية التجريدية والتشخيصية شغلت ‏باله. يقول إن الرسم ‏لا يتلائم جيداً مع المغامرة التجريدية. وهنا يعود إلى الرسم ‏التشخيصي.‏

عام 1970 يُصدر عبّود مقامات الحريري، في دار النهار بالأبيض والأسود. ‏ويختار سبع ‏مقاماتٍ من كتابات الحريري ويرسم عليها. ثم انكبّ أيضاً على علاقة ‏الحروفية بالرسم ثم أخذ ‏نصوصاً من أبي العلاء المعرّي واشتغل عليها في أعماله. ‏وفي عام 1972 يدخلُ في حالةٍ حادّة ‏من الانهيار العصبي. ثم يرسم "سلسلة نوافذ" ‏التي تعرض في غاليري شحادة في بيروت. وفي ‏‏1975 بدأت الحرب في لبنان. ما ‏بين 1978 – 1979 يرسم مشاهد من الحياة الباريسية: ‏‏"نُزهات" ، "شمسٌ على ‏الشُرفة" ، "لحظاتٌ يومية".‏

بين 1979 و 1980 يتشغل على السيراميك في فرنسا، ليطغى على أعماله ‏الفضاء اللوني أكثر ‏من "تشكيليات الشكلية". عام 1991 و 1992 يُتابع تنوعاته على ‏اللون الأحمر، الأصفر، ‏الأخضر، الأبيض... ويقول في هذا الإطار: وجدتُ شكلاً ‏تعبيرياً فنياً خاصاً ومنفرداً. عام ‏‏1996 يعرُض في الأونيسكو في بيروت، ثم في ‏معهد العالم العربي في باريس. إنها التجريبية ‏في كل مواصفاتها، والأزمات في كل ‏أشكالها عاشها بين فرنسا ولبنان. ولكن الحنين استبدّ به ‏إلى قريته الأولى فيقول: ‏‏"أفكّر كثيراً بزاوية صغيرة في قريتي المحيدثة". وهكذا كان..‏

توفي عام 2014 إثر تعرّضه لعدّة نوبات قلبية ودُفن بحسب وصيته في بلدته ‏المحيدثة.‏









يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

بول شاؤول

16 كانون الثاني 2020