9 شباط 2021 | 09:10

أخبار لبنان

رحيل لبنان جان عبيد

‏"النهار" – باسم السبع ‏


‏ رحيله رسالة مؤلمة لكل من صادقه وشاركه رجاحة عقله وسعة صدره وصفاء سريرته ‏وحلاوة روحه وطيب أحاديثه التي لا تشبه سواه ..‏

‏ لِمَ أسرعت الرحيل يا جان . لم تستأذن الأهل والأصدقاء ورفاق العمر من كل الأعمار ‏والأقطار ، ولم تبادر للاتصال على جري عادتك ، تسأل عنا وترمي علينا تحية شوق أو عتاب ‏مشفوعاً بقولٍ مأثور أو آية من آيات الرحمن ، مسبوقة بأبياتٍ للمتنبي وأبي العلاء . ‏

يقال ان اليأسَ احدى الراحتين ، لكنك اخترتَ الموت على اليأس ، وأعلنت الإنسحاب في أصعب ‏الأوقات وتركتنا نجتّر الأزمات والمرارات والتفاهات ، لنسجل رقماً قياسياً عالمياً في سباق ‏الجري نحو الهاوية . ‏

هل هالك ما حلَّ بمدينتك ، مربض الصبا والصداقات ، حبيبتك طرابلس ، وأدركت العجز عن ‏نجدتها بكلمة فسارعت الى الصمت الأبدي ، ام انك وجدت الموت مخرجاً من حلبات الجنون ‏السياسي ، حيث تزدهر تجارة المذاهب والأديان ، ويتحول الدستور الى ميدان يتسابق فيه ‏العرجان على الصلاحيات وكرسي الرئاسة الاولى . ‏

‏ عاصرتَ ورافقتَ كل العهود والرئاسات والزعامات ، لكنك قررت مغادرتنا قبل ان يغادرنا “ ‏العهد القوي “ ، وقد انقلب على شعب لبنان العظيم وتفنن في معاقبة نفسه نكايةً بخصومه ، ‏واستنزف قوته وهيبته وشعبيته كرمى لعيون وريث ٍلن يرث عنه الا الخراب وفتات زعامة ‏على شفير الاحتضار .‏

‏ حياتُك كلها مختبر لتجارب استيلاد الأمل من اليأس ، والوحدة من الإنقسام ، والانفتاح من ‏الانعزال ، والحكمة من بطون الهزائم والنكسات والمرارات الوطنية والقومية . ‏

لم تستسلم لكبوة أو غرور أو فتنة او رشوة أو وشاية سياسية . رفضت الرئاسة بعد الطائف ، ‏لانها قُدمت اليك فوق طبقٍ من دماء وإنتقام ، وأدركت في كل المراحل ان رئاسة لبنان تتطلب ‏قوة الحكمة والحِجة والحوار والتوافق والاعتدال وبناء الجسور ، وقوة التواضع والغفران ‏والمشاركة والشورى وبسالة الاعتراف بالآخر . ‏

‏ جان عبيد، لأي جائحة رفعتَ فجأة الرايات البيض. ولمن أخليت الساحة، وتركت البلاد نهباً ‏لأوهام غِلاظ الدم والعقل والروح، وساحة للنافخين في رماد الفتن والعصبيات وفلول القتلة ‏والجهلة وصبيان الطائفة وديكها المتصارعين على قيادة الجمهورية المهترئة ؟ ‏

‏ نجوتَ من الخطف ومحاولات القتل وفصول الحرب وكمائن أهل الغدر ومخاطر العبور على ‏خطوط التماس . فأنى لك ولنا ان نحمي أنفسنا من غدر الصدفة على قاعة الاختلاط الانساني ؟!‏

‏ لم تتقبل فكرة التباعد وقطع السبل للتواصل والتلاقي وتلبية الدعوات وعقد الجلسات ، لأن ‏حياتك كلها ابواب مفتوحة على الحوار والتقارب والتفاعل، وموائد عامرة بما لذ وطاب من ‏تبادل الأفكار والتجارب والقصائد والثقافات وخزائن الحكمة . ‏

‏ قلة يعيشون لبنان كما عشته، ويعرفون العروبة كما عرفتها، ويمارسون العيش المشترك كما ‏مارسته . ‏

اتخذت من القرآن والانجيل سلاحاً لمقارعة التطرف والتعصب وشذاذ الطوائف ، فكنت لسان ‏محمد عند اتباع يسوع ولسان المسيح عند اولياء الرسول .‏

‏ شبكة العلاقات والصداقات التي بنيتها طوال عقود، متصلة بحبال الود والكرم والنبل والصفح ‏والنصح والصدق والثقافة والادب السياسي . ‏

‏ قطعوا عليك طريق العبور الى بعبدا غيرَ مرة، لكن سيرتك منحتك الفخامة من دون رئاسة ، ‏والهيبة من دون سلطة ، والاحترام من دون جهد . ‏

‏ نشأتك العروبية صهرت رؤيتك لرسالة لبنان، فرأيته دائماً بعيونٍ عربية بعيداً عن ثقافات ‏الذوبان والابتلاع ووضع اليد، وقرأت العرب بعيونٍ لبنانية صافية لا يكدرها غبار طائفي ‏وحزبي أو ولاء خارجي يجنح لتغليب مصالح الاقليم على المصلحة الوطنية . ‏

‏ تألمت لمآسي سوريا والعراق واليمن وليبيا ، كما لو انها امتداد لمأساة لبنان . لكن الوجع على ‏سوريا كان مضاعفاً ومدعاة للقهر والخيبة والخوف على لبنان ، واختزلته بعبارة عميقة ‏الدلالات: حافظ الاسد جعل من سوريا لاعباً بارعاً في الساحات العربية والدولية، وبشار الاسد ‏حوّل سوريا الى ملعب تتبارى عليه القوى الاقليمية والدولية . ‏

‏ كنتُ ممن يعتقدون يا جان، انك محصن بأسلاك الإيمان وهي كافية لحمايتك من شرور ‏السياسة وحسد السياسيين، وان صدرك تحيطه الآيات والأيقونات المباركة، وتقيم بين أضلعه ليل ‏نهار آية الكرسي وصورة السيدة مريم وكف فاطمة والأدعية التي أحضرتها لبنى من مار شربل ‏وسيدة بشوات وشفيعة الامور المستحيلة القديسة ريتا . ‏

‏ حتى الايمان ودروع الاديان تحتاج لأحزمة أمان وأقنعة واقية من شرور هذا الزمان ، سيما ‏واننا في بلد تتحالف فيه لعنة كوفيد لاصطياد الناس وتقييدهم بأصفاد الهلع ، مع لعنة قابيل ‏لتفتيت الدولة وبهدلة الجمهورية واحتقار الدستور . ‏

‏ لبنانك يرحل يا جان. والحزن يقيم في بيوتنا. الزمان ليس زمانك والجمهورية صارت قاطرة ‏للفشل والإنكار والتعطيل والانقطاع عن المحيط والعالم . ‏

إنه زمن التيه والغربة والرحيل، وها انت تتقدم صفوف الراحلين. يصعب علّي مخاطبتك فقيداً ‏‏... فهل نقول الى اللقاء ؟ . ‏

الكوفيد أنشأ خطوطاً سريعة للموت وفرض الاقامة الجبرية في البيوت. اعلن شرعة جديدة للحياة ‏البشرية واقفل بيوت الله أمام المؤمنين ... ليقطع علينا المشاركة في وداع الأحبة . ‏

عزيزي جان، لم نعد نملك سوى العزاء عن بُعد، نحتفظ في صدورنا بغصة الفراق، ودعاء ‏بجميل الصبر للعزيزة لبنى، السيدة التي حاولت ان تفتديك فأخلت سريرها لك ... لعل وعسى، ‏وللعائلة التي اكتسبت منك براعة الحكمة وقيم الحرية والوفاء والانفتاح ومجد الكلمة الطيبة . ‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

9 شباط 2021 09:10