5 تموز 2022 | 08:19

أخبار لبنان

الكذب والانهيار واقتصادات الظل

مازن عبّود ‏



اوكسيجين/ النهار ‏


اعتبر "ايمانويل كانط" بانّ اللغة تميزنا عن سائر الحيوانات الاخرى، فبدون ‏التواصل واللغة نمسي وحوشا. واعتبر بأنّه اذا ما كذب الجميع على الجميع طوال ‏الوقت تصبح اللغة أي التواصل باطلة. ودعا العقلانيين الى الامتناع عن الكذب كي ‏لا تبطل اللغة. اساس الاقتصاد التبادل واساس التبادل الثقة. والثقة انتفاء الكذب. ‏

اللغة فقدت اهميتها عندنا في لبنان، و"نجيبي" تحذر اولادها من التعاطي مع ‏الجيران، مرتكزة على نظرية "إذا رأيت "نونو" تتجه شرقا، فاعلم انها ذاهبة ‏غربا". فكيف يمكن لغالبية شعب يكذب معظم الوقت ان ينهض اقتصاديا؟ ‏

يقول توماس جيفرسون بأنّ الشفافية هي اول فصل من فصول الحكمة. الحكمة في ‏لبنان زجاج داكن، واظهار ما لا تضمر وكذب. مجتمع يعتبر الشفافية جهلا ‏والخداع حكمة، نهايته السقوط.‏

في بلدنا فقد التواصل اهميته واللغة قيمتها. ندم "ايليا" مرات لانه صدّق "جوجو" ‏الكذوب. لكنه خسر ايضا فرصة حياته لأنه لم يصدقه حين وافاه ناقلا اليه خبر ‏قبوله في شركة "الخواجا جرجي في الكويت". فكان ان طار العرض وطار عقله. ‏وجود الناس التي تكذب في الحياة العامة كلفة غير محتسبة، تعطل التبادل لا بل ‏تلغيه. ‏

بلد ينهار ومسؤولوه يكذبون. الوقود ينفد في المؤسسات العامة. شبكات المياه ‏انهارت. المولدات في المناطق الشعبية على طريق الزوال. واوجيرو بدأت تغلق ‏السنترالات في الكثير من المناطق. ما عادت تلزمنا اللغة لأنها لا تؤدي الى ‏التواصل والتبادل. نكذب في تعاطينا مع بعضنا البعض وفي تعاطينا مع الدولة. ‏صفق الناس كثيرا لايلي خاوند لأنه متصالح مع ذاته. ايلي هو انا وانت. هو ‏اللبناني الذي قال عنه جبران، بانه يولد في كوخ ويموت في قصر العلم. فشكرا د. ‏فضلو خوري على تظهير انموذج يلزم. ‏

نمونا في اساسه الفساد. وثمار الكذب الانهيار. "الفساد مرتبط بطبيعة الدولة" ‏والدولة ترتبط بطبيعة الشعب. تتشابه بعض الدول في معدلات الفاسد لكن ليس في ‏معدلات النمو، وذلك كنتيجة لارتفاع كلفة التبادل في السوق السياسية أي الفساد ‏السياسي. التنافس في السياسة يفعّل الاقتصاد، لكن ليس في حالة كحالتنا تفتقد الى ‏المحاسبة وتغرق أكثر في شراء الضمائر. اداء الدول الضعيفة والمقسمة غير ملائم ‏للفعالية الاقتصادية، وحين تفقد الحكومات هيبتها، لا تعود قادرة على انفاذ القوانين. ‏فيتزايد الفساد في القطاع العام ويتراجع النمو. في لبنان شعب يكذب على شعب، ‏وساسة على الجميع. كذبنا حتى في التزاماتنا الخارجية. فأمسينا متروكين على ‏رصيف الايام. الانهيار اساسه اخلاقي.‏

‏ "ايرلي وبكسون" اعتبرا بانّ الانهيار والعقوبات يغيران انماط التبادل الاقتصادي ‏‏(البحث في الظلال، ‏Political Research Quarterly 2019‎‏ )، فتنمو ‏اقتصادات الظل على حساب الاقتصاد الفعلي. وتستنبط وسائل جديدة للبقاء. تتراجع ‏ايرادات الدول وتفقد القوانين احترامها ويتنامى الفساد. الجغرافية السياسية تحفز ‏مثل هذه الاقتصادات التي تتمخض عن شخصيات ظلال تصل الى البرلمان، ‏ويتداعى الاستقرار الساسي. ‏

تجّار سوق دوما كانوا يتبادلون شيفرة "التفنيص" في استقبال ساسة محلتهم، الذين ‏‏"سعروا حتى "المرحبا" ". فينتصب "سعيد" كي يقول: "جانبون كاستا فليكس"، ‏فيرد عليه "حبقوق": "بون بون يا حبيب القلب" بعيد انتهائهم من خطبهم الرنانة. ‏

حفلة الكذب قائمة. ولن نستفيق من كبوتنا، الا إذا ما تحررنا من ادماننا على ‏الكذب.‏

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

5 تموز 2022 08:19